الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٨ - الديالكتيك فلسفة عامة
أم يعني أن كل شيء في الكون سائر نحو التغيُّر، حتى القوانين الطبيعية والسنن الكونية والقيم العامة والمعرفة الصادقة؟.
إذا كانت الماركسية تعني من التغيُّر هذا المفهوم الشامل فإنها مخالفة لوجدان كل إنسان. إننا نعلم بوجودنا، أن ثلاثة في ثلاثة يساوي تسعة، وأن الصدق حسن والعدل جميل والحق مرغوب فيه. ونعلم أن هذه حقائق لن تتغير.
ثم إننا لم نُجرِّب التغيُّر في السنن الكونية. فكل القوانين ثابتة، يقوم على أساس ثبوتها صرح العلم العظيم.
ولا يسع الديالكتيك إلَّا أن تعترف بثبوت القوانين الكونية؛ إذ إن البنود الأربعة للديالكتيك ليست سوى قوانين تدَّعي المادية الديالكتيكية أنها لن تتغير أبدًا. وإذا سحبت فرضية التغيُّر إلى عالم السنن انهار بناء المادية الديالكتيكية قبل كل بناء.
وعالم المعارف هو الآخر، عالم ثابت موزون. وقد سبق القول منا في أن القول بتغيُّر الحقيقة أشبه شيء بالقول بتغيُّر الصورة التي تُمثِّل لحظة معينة، وأنه مُغرق في السذاجة.
والقيم، كقيمة العدل والصدق و الوفاء، هي الأخرى ثابتة، لوجدان كل بشر أنها كذلك .. أترى يأتي حين من الدهر ينقلب العدل قبيحًا عند العقلاء والكذب حسنًا والغدر خُلقًا طيِّبًا؟.
إذًا فالمبدأ الأول، صحيح إذا وُضع في إطار الطبيعة التي يُلاحظ فيها التطور، أما إذا سُحب إلى عالم الغيب (الميتافيزيقيا) فإنه يعود هراء لا يمجُّه الذوق السليم والعقل الصائب فقط، بل ويلفظه حتى أولئك الذين تشدَّقوا به.
وسنبحث قريبًا، إن شاء الله، عن مبدأ التغيُّر وأنه ركيزة الفكر الإسلامي، وستعرف هناك الكذبة الكبرى التي افتراها ستالين حين قال: إن الديالكتيك- خلافًا للميتافيزيقية- لا يعتبر الطبيعة حالة سكون وجمود، حالة ركود واستقرار، بل يعتبرها حالة حركة وتغيُّر دائمين، حالة تجدُّد وتطوُّر لا ينقطعان. ففيهما دائمًا شيء يولد ويتطور وشيء ينحل ويضمحل. ولهذا تريد الطريقة الديالكتيكية ألَّا يُكتفى بالنظر إلى الحوادث من حيث علاقات بعضها ببعض، ومن حيث تكييف بعضها ببعض بصورة متقابلة، بل أن ينظر إليها أيضًا من حيث حركتها، ومن حيث تغيُّرها وتطوُّرها، ومن حيث ظهورها واختفائها.