مبادئ الحكمة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦٢ - الفصل الثاني عشر حقيقة الوجود
الاجتماعي والاقتصادي و السياسي فان ثقافة الانسان قد اكتسبت لوناً مغايراً، وأضحت في الوقت الحاضر تسخر مما كان البشر عليه سالفاً. وهذا الواقع بمثابة الشهادة الصارخة على بطلان وعجز التفكير الانساني على تحدي الجهل والظلمات دون الاستعانة بالوحي. إذاً فالمسيرة البشرية تكشف يوما بعد آخر، ومرحلة بعد أخرى نقص الثقافة البشرية وعجزها، وتكشف أيضا ما تسبب هذا النقص والعجز في وقوع المآسي والويلات والتأخر.
أما الرسالات السماوية والقرآن الكريم الذي هو أكملها وأعظمها فهو متقدم على العلم دائماً، وكلما خطى العلم والعقل خطوة الى الامام، كلما وجد الانسان في القرآن تعابير تشير الى اكتشافات العلم، فالقرآن- الذي هو خلاصة رسالات السماء- في استدلال مستمر لا ينقطع على هيمنة الثقافة الالهية على التقدم العلمي، وعلى ضرورة تمسك البشرية بحبله. ولعل تطور العلم البشري بحد ذاته هو الذي يجعلنا نزداد إيماناً بكتابنا.
إن الذي يقرأ- مثلًا- كتاب (الامام الصادق عقل المذهب الشيعي) والذي ألّفه مجموعة كبيرة من الفلاسفة الغربيين يعرف مدى صدق هذه الفكرة، ويتأكد بأن علم القرآن الكريم وثقافة اهل البيت عليهم السلام ليس علماً صادراً عن أرض الجزيرة العربية أو ثقافة نابعة من المدينة المنوّرة أو الكوفة أو البصرة، وإنما كانت ثقافة وعلماً إلهياً أوحى به الله سبحانه الى البشرية. فالثقافة التي استعرضها القرآن الكريم وقام الرسول صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام بشرحها وتفصيلها ليست من فصيلة بقية الثقافات القابلة للفناء، فهي تعالج قضايا عجز البشر عن مجرد الحديث المنطقي عنها، ومنها قضية الوجود. وسنحاول هنا استعراض آراء