مبادئ الحكمة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٥٣ - الفصل الحادي عشر ماهو الوجود؟
وتعالى كان قد خلق كل شيء ضمن هيئة مستقلة بميّزاتها وحدودها وبدئها وانتهائها وبكل ما يمتّ لها بصلة بصورة مباشرة؟؟
وفي هذا الصدد تنقل كلمة عجيبة لابن سينا حيث يقول: لم يجعل الله (المشمش) مشمشاً وإنما خلقه كذلك. أي حينما خلق الله سبحانه (المشمش) خلقه مشمشاً ولم يخلقه مرتين؛ مرة أتى به الى الوجود، ومرة أخرى أعطاه صبغة المشمشية- إن صحّ التعبير- وقد استوحى بعض المجبّرة من كلمة ابن سينا هذه القول بأنّ الله سبحانه وتعالى لم يجعل السعيد سعيداً أو الشقي شقيّاً، وإنما خلقهما كذلك؛ أي كان السعيد سعيداً والشقي شقياً في الماهية.
ولكن الفطرة والوجدان الانساني السليم لا يتصور مثل هذه المفارقة الغريبة، بل إنه يدرك أن لكل شيء في الوجود تحقق مستقل في ذاته، ويطلق على المسميات أسماءها المعرِّفة لها، بحيث تتميز عن أضدادها وحتى عن شبيهاتها ..
نعم؛ إنه حينما يريد جمع الأشياء مرةً واحدة فهو يلغي الفوراق ويطلق عليها تسمية واحدة، فيقول: الوجود ... الموجود ... الكون، كما إنه إذا اراد الغاء الفوارق بين إنسان وإنسان فهو يسمي كل الناس بكلمة الانسان، وهذا بطبيعة الحال هو استخدام المفهوم الانتزاعي في التفاهم والتعبير؛ لا أكثر ولا أقلّ. فالعقل رغم اعترافه بوجود الفوارق بين بني البشر؛ إلّا أنه إذا أراد التعبير لا يسعه إلّا الالغاء ليسلم تعبيره من إدخال ما ليس من شأنه الدخول.
إن الموجود في ارض التحقق والواقع والوجود الملموس هو أنا وأنت وهو وهي. فنحن أُناس مختلفون في ميزاتنا من افكار وتوجهات وابعاد ماضوية وحاضرة ومستقبلية، ولكن الانسان- كإنسان- حينما يريد التعبير عن هذه