مبادئ الحكمة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧٨ - الفصل الرابع عشر كيف نعرف الله تعالى؟
أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (العنكبوت/ ٤٥).
وحينما يصور لنا نِعم الجنة ويرغبنا فيها سرعان ما يبين لنا بأن رضوان الله اعظم من الجنة برمّتها، رغم وصفه لهذه الجنة بأن فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر: وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الانْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (التوبة/ ٧٢). فهذه النعم التي يعجز البشر عن تصورها في حياتهم الدنيا، غير قابلة للمقايسة والتشبيه برضوان وحب ومعرفة الله جلّ جلاله.
بلى؛ إن البهائم تتمتع بأكل الحشائش، ولو وصفت لها موائد الانسان اللذيذة فهي لا تفهم قيمة هذه الموائد حتى وإن جيئ بها بألف دليل ودليل. هذاً فضلًا عن عجزها المسبق عن فهم المتعة في الجلوس الى شخصية عظيمة تدعوك الى تناول الطعام معها. والسبب في عجز البهائم هذا هو التركيبة الغريزية الحاكمة على فهمها وتصرفها حيال هذا الموضوع.
القضية ذاتها تشمل الانسان الكافر والغافل والمحجوب عن لذّة مناجاة الله، حتى وإن جوبه بآلاف الأدلّة عن أهمية وعظمة التعرف الى الله سبحانه وتعالى؛ فعقليته عقلية محدودة وهابطة باتجّاه العناد والإلحاد.
أما الانسان المؤمن فهو الوحيد القادر على فهم وتصور حلاوة مناجاة ربه، حيث يقوم متهجّداً ومتبتّلًا؛ مبحراً بقلبه نحو قدرة الكون المطلقة؛ هذا الانسان يستطيع تصور أيّة خسارة عظمى من الممكن أن تحلّ به لو هجر ذكر الله أو جهل فضل الله عليه.