مبادئ الحكمة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٧ - العقبة الأولى التأطر بحدود الدنيا
منحصراً في الأفراد بالذات، بل وينعكس على الأمة أيضا. فأي أمة، حين تنحصر توجهاتها ضمن أطر محدودة دون النظر الى المستقبل ودون السعي الى التقدم الحضاري، فسوف لن تبقى متأخرة عن ركب الحضارة فحسب، بل وربما يسوقها هذا التقاعس والاستسلام الى التقهقر، وبالتالي الى الفناء والعدم.
ان العقل هو القادر على تجاوز العقبات، والقرآن الحكيم يزيد نور العقل عبر آياته الكريمة، التي تذكره بأنه ما خُلق عبثاً أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً (المؤمنون/ ١١٥ (بل خُلق ليبقى، خُلق ليحيا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَآ إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الاخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ (الانعام/ ٣٢)
ثم هي تنير الطريق امام الانسان ليرقى بتفكره بعيداً عن أفقه المحدود، وتدفعه للتحرر لينطلق بأفكاره وتوجهاته الى آفاق أسمى مما هو فيه من التقوقع والإستكانة؛ دون ان تنكرعليه نصيبه من هذه الدنيا، بل تدعوه للفوز بحياة سامية عالية من خلال هذه الحياة الدنيا وَابْتَغِ فِيمَآ ءَاتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الاخِرَةَ (القصص/ ٧٧) إذ القرآن حين يذكر العقل وينوره انما يمد للانسان حبال النجاة لانتشاله من هذا المستوى المتدني من التفكر المحدود بحب الحياة الدنيا، والارتقاء به الى التفكر في الرابطة الوثيقة بين الحياة الدنيا والحياة العليا، بين هذه الحياة التي يحياها الآن، والحياة الآخرة التي تنتظره، حياة السمو والخلود، فيدعوه للانطلاق بتفكيره والتحرر من الحب الاعمى لهذه الدنيا، الى حب سام في معانيه، الى حب الحياة الآخرة" اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا" ( [١]) وعندها تزول إحدى العقبات ويبدأ الانسان بالتكامل الصفات.
[١] () بحار الأنوار/ ج ٤٤/ ص ١٣٩/ رواية ٦.