دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٩٨
الكنسية، إن أودو هو الذى استدعى عبد الرحمن إلى فرنسا، ليعاونه على محاربة
خصمه كارل مارتل [١] .
ولكن هذه الرواية مردودة غير معقولة، لما قدمنا من أن
أودو هو الذى بادر إلى مقاومة عبد الرحمن ورده، وكانت مملكته وعاصمته أول غنم
للمسلمين.
وكان ملك الفرنج يومئذ تيودوريك الرابع، ولكن ملوك الفرنج كانوا
في ذلك العصر أشباحاً قائمة فقط.
وكان محافظ القصر كارل مارتل هو الملك
الحقيقى، يستأثر بكل سلطة حقيقية، وعليه يقع عبء الدفاع عن ملكه وأمته.
وكان منذ استفحل خطر الفتح الإسلامى يتخذ أهبته ويحشد قواه.
ولكن عبد الرحمن
سار إلى قلب فرنسا قبل أن يتحرك للقائه.
وترد الرواية الإسلامية هذا التمهل إلى
خطة مرسومة مقصودة.
فتقول في هذا الموطن: " فاجتمعت الفرنج إلى ملكها
الأعظم قارلة وهذه سمة لملوكهم، فقالت له ما هذا الخزى الباقى في الأعقاب.
كنا نسمع بالعرب ونخافهم من جهة مطلع الشمس حتى أتوا من مغربها، واستولوا
على بلاد الأندلس، وعظيم ما فيها من العدة والعدد، بجمعهم القليل وقلة عدتهم
وكونهم لا دروع لهم.
فقال لهم ما معناه: الرأى عندى أن لا نعترضهم فى
خرجتم هذه، فانهم كالسيل يحمل من يصادره، وهم في إقبال أمرهم، ولهم
نيات تغنى كثرة العدد، وقلوب تغنى عن حصانة الدروع، ولكن أمهلوهم
حتى تمتلىء أيديهم من الغنائم، ويتخذوا المساكن، ويتنافسوا في الرياسة، ويستعين
بعضهم ببعض، فحينئذ تتمكنون منهم بأيسر أمر " [٢] .
ونستطيع أيضاً أن نفسر
تمهل كارل مارتل بأنه كان يقصد إلى ترك خصمه ومنافسه أودو دون إغاثة، حتى يقضى المسلمون على ملكه وسلطانه، فيتخلص بذلك من منافسته ومناوأته.
وعلى أى حال فإن عبد الرحمن كان قد اقتحم أكوتين وجنوبى فرنسا كله، حينما
تأهب كارل مارتل للسير إلى لقائه.
وجاء الدوق أودو بعد ضياع ملكه، تمزيق
[١] موسوعة Bouquet: Recueil des Historiens de la Gaule et de la France,
رواية القديس رنى Vol.
III.
p.
٣١٠.
وراجع أيضا موسوعة: Bayle: Dictionnaire
Historique et Critique تحت كلمة Abderame
[٢] المقرى عن الحجارى فْى المسهب (نفح الطيب ج ١ ص ١٢٩) .
ويورد الحجارى هذه
الرواية بمناسبة عبورموسى بن نصير إلى فرنسا.
ولكن ظاهر من اسم با قارلة (كارل) أن الأمر
يتعلق بالغزوة الكبيرة التي نتحدث عنها؛ وإليها ترجعها الرواية الكنسية اللاتينية.
راجع:
Gibbon: ibid, Ch.
LII حيث يورد نفس هذه الفقرة في كلامه عن موقعة تور.