دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٢٥٦
مدينة سالم Medinaceli من أعمال الثغر الأعلى، وحذت حذوه بعض القبائل الجبلية
من أهل بسكونية، فأغارت على أطراف الثغر وعاثت فيها، فاخترق الحاجب
بسائط ألبة والقلاع، وهزم النصارى في عدة مواقع، وعاث في ألبة وخرب
مدينة ليون وأحرق حصونها، واشترط على النصارى أن يدفعوا جزية كبيرة، وأن يطلقوا أسرى المسلمين، وأن يسلموا بعض زعمائهم كفالة بسكينتهم، وعاد
الحاجب إلى قرطبة مثقلا بالغنائم والسبى.
وكانت هذه آخر غزوة قام بها هذا
الوزير النابه والقائد المظفر، الذى قاد معظم الغزوات الكبرى إلى أرض العدو، منذ عهد هشام بن عبد الرحمن، إذ توفى عقب عوده إلى قرطبة بقليل في المحرم
سنة ٢٠٩هـ (٨٢٤ م) [١] .
وفى هذا العام (٨٢٤ م) أصيب الفرنج بهزيمة ساحقة في أحواز بنبلونة، فى سفح جبال البرنيه، عند باب شزروا، حيث نكب جيش شارلمان من قبل، ويبدو من أقوال الرواية الفرنجية أن المسلمين كان لهم دور كبير في إيقاع هذه
الهزيمة.
ذلك أن لويس ملك الفرنج أرسل قواته بقيادة الكونتين أزنار وإبلو
لمهاجمة البشكنس وإخضاعهم، فاستغاث البشكنس بجيرانهم المسلمين، والظاهر
أن الذى لبى نداء البشكنس هم بنو موسى أو بنو قسىّ أصحاب تطيلة، وأن هذه
المعاونة كانت بموافقة حكومة قرطبة.
وعلى أى حال فقد أحرز المسلمون
والبشكنس على الفرنج نصراً ساحقاً، وأسر القائدان أزنار وإبلو، ثم أطلق سراح
الأول وأرسل الثاني إلى قرطبة حيث اعتقل بعض الوقت.
وقد أثار هذا الحادث
ذكريات موقعة باب شزروا الكبرى التي نكب فيها الفرنج أيام الأمير عبد الرحمن
الداخل، قبل ذلك بستة وأربعين عاماً [٢] .
وتولى قيادة الصائفة بعد الحاجب عبد الكريم [٣] ، أمية بن معاوية بن هشام، ولكنه لم يسر إلى أرض العدو، بل سار إلى شنت برية، ثم إلى تدمير ليعمل
على تهدئة الثورة.
وكانت حوادث الشمال قد عادت تتطلب اهتمام قرطبة، وكان
[١] راجع نفح الطيب ج ١ ص ١٦١؛ والبيان المغرب ج ٢ ص ٨٤.
[٢] راجع: R.
M.
Pidal: ibid, Vol.
I.
p.
١٩٥، وكذلك كوندى: Conde: ibid ;
Vol.
I.
p.
٢٦٤ & ٢٦٥
[٣] كانت معظم الحملات والغزوات الإسلامية الكبرى، تنظم في الصيف باعتباره خير
الفصول للقيام بمثل هذه الغزوات، ولهذا كانت تسمى بالصائفة والصوائف.