دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٤٢٠
عبد الرحمن ناجياً بنفسه في نفر من صحبه، وعاد الملك راميرو في جيشه ومعهم
غنائم كثيرة من الذهب والفضة والأحجار النفيسة وأشياء كثيرة أخرى، وأخذ
معه ابن يحيى أسيراً [١] .
بيد أن هنالك روايات نصرانية أخرى أكثر دقة ووضوحاً.
وخلاصة هذه
الروايات هو أن عبد الرحمن سار بجيشه في اتجاه سيمانقة الواقعة على مقربة من
نهر دويرة شرق مدينة سمورة، فلقيه راميرو وحليفته طوطة في قواتهما، ونشبت
بين الفريقين موقعة في ٥ أغسطس سنة ٩٣٩ م، فأبدى رؤساء العشائر العربية
في القتال فتوراً وتراجعوا أمام النصارى.
ولكن حدث ما لم يتوقعه المسلمون، ذلك أن النصارى طاردوهم وألحوا في قتالهم، فارتد المسلمون أمامهم نحو الجنوب
الغربى، حتى محلة صغيرة في جنوبى مدينة شلمنقة تسمى ألانديجا (الخندق) ، ثم وقفوا وكروا على النصارى بفتور وتخاذل، وهجم النصارى عليهم بجرأة
وشدة، فهزم المسلمون هزيمة شديدة، وأمعن النصارى فيهم قتلا وأسراً.
فساد
الخلل في الجيش الإسلامى، ومزقت منه فرق برمتها، وقتل قائده نجدة الصقلى، وأسر محمد بن هاشم حاكم سرقسطة ومزق جيشه، وكان يحارب إلى جانب
عبد الرحمن في هذه الغزوة، وحمل مصفداً إلى ليون.
وأثخن عبد الرحمن نفسه
جراحاً، ولم ينج من الموت والأسر إلا بأعجوبة، فولى شطر قرطبة في نفر من
الفرسان [٢] .
ولم يحاول راميرو أن يستغل نصره بمطاردة المسلمين.
ويقال إن
الذى منعه من مطاردتهم هو أمية بن اسحاق إذ حذره من الكمين ورغبه فيما خلفوه
من الأسلاب والغنائم الضخمة.
ولولا ذلك لفنى الجيش الإسلامى بأسره [٣] .
وكان لانتصار راميرو وقع عظيم في أوربا وفي العالم الإسلامى، بيد أن الموقعة
على روعتها لم تكن بعيدة الأثر في قوة الأندلس ومنعتها، ولم يدخر عبد الرحمن
منذ عوده إلى قرطبة جهداً في تنظيم الجيش وإصلاحه، وتطهيره من العوامل
الخطيرة التي أدت إلى هذه الكارثة.
ويحاول ابن الخطيب أن يوضح لنا أسباب
هذه الكارثة في قوله: " وجرت الهزيمة على المسلمين طائفة من جند الناصر
[١] Cronica General, ibid, Vol.
II.
p.
٣٩٦
[٢] Dozy: Hist.
; Vol.
II.
p.
١٥٥ - ١٥٦ وكذلك: Aschbach: Geschichte der
Omajaden in Spanien.
B.
II.
p.
٥٠ حيث يورد الروايات النصرانية.
[٣] نفح الطيب ج ١ ص ١٦٥، وابن الأثير ج ٨ ص ١١٥.