دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٢٠٤
الروح النكد، الذى أشاع فيما بينها عوامل الشقاق والتنابذ، وأثار فيما بينها غير
مرة ضرام الحرب الأهلية.
وقد رأينا كيف عانت الأندلس في أواخر عهد
الولاة من هذه الحرب الأهلية، التي اضطرمت بن المضرية واليمنية وبين البلديين
والشاميين، وكيف كادت تودى بسلامة الأندلس ومنعتها.
ثم رأينا كيف قضى
عبد الرحمن الداخل معظم عهده في مكافحة الثورات المتعاقبة التي شهرها في وجهه
زعماء القبائل والبطون في سبيل الاحتفاظ بسلطانهم المحلى.
وهكذا كانت القبائل
العربية في الأندلس منقسمة على نفسها، وإن كانت الرياسة قد بقيت فيها على يد
الدولة الأموية الجديدة التي قامت في شبه الجزيرة.
بيد أن العرب لم يكونوا بين
كتلة الأمة الأندلسية أغلبية، بل كانوا بالعكس أقلية تتمثل بالأخص في الأرستقراطية
العربية التي استأثرت بمعظم مغانم الفتح، واستولت حينا على أزمة الحكم، واحتلت في شبه الجزيرة معظم البقاع الخصبة.
وقد ذكر لنا ابن غالب في " فرحة
الأنفس "، كثيراً من البطون العربية التي استقرت بالأندلس، وبعض من كان
ينتمى إليها من الأسر الأندلسية النابهة، وذكر لنا من منازلها، بلنسية وأوريولة
وإشبيلية وغرناطة ووادي آش [١] .
وكانت الأرستقراطية العربية تستقر بالأخص فى
القواعد والمدن الكبيرة، ولا سيما في قرطبة، وتترك العمل في ضياعها الشاسعة
للموالى والبربر، وكان أمراء بني أمية منذ عهد عبد الرحمن الداخل يعملون على
مقارعة هذه الأرستقراطية القوية وإخضاعها، حتى جاء عبد الرحمن الناصر، فقضى على سلطانها السياسى والاجتماعى، ورفع إلى مكانها الموالى والصقالبة، ثم جاء المنصور بن أبي عامر، فعمل على تمزيقها وتشتيتها، وخلق أرستقراطية
جديدة من البربر تقوم مكانها، ومن ذلك الحين تغيض الأصول العربية فى
شبه الجزيرة تباعا، وتضمحل مكانتها وأهميتها.
ويرجع انكماش العنصر العربى في الأمة الأندلسية، أولا إلى كونه يمثل
الطبقة الممتازة وهى تكون الأقلية دائما، وثانيا إلى أن الهجرة العربية إلى شبه
الجزيرة لم تكن هجرة غزيرة، وقد توقفت تقرييا منذ القرن الثالث الهجرى، ولم يكن ما ينسب للأمراء والكبراء من كثرة النسل، لامتلاء قصورهم بالجوارى، مما يعوض هذا النقص العنصرى.
وإلى جانب الأقلية العربية الأرستقراطية، يجب أن نذكر طائفة الموالى التي
[١] نقله المقرى في نفح الطيب ج ١ ص ١٣٦ و١٢٧.