دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٦٦٣
الأولى سنة ٤١٢ هـ.
وبويع بالخلافة، وتلقب بالمعتلى بالله، وكان في الثانية
والأربعين من عمره.
واستقبل البربر والأندلسيين معاً رياسته بالاستبشار والرضى.
وكان المعتلى فارساً بارعاً يتحلى بخلال الفروسية، ويجانب العصبية، ويؤثر العدل، ويجزل العطاء لمن وفد عليه، أو مدحه بشعره، فأحبه الناس؛ وكان من وزرائه
أبو العباس أحمد بن برد، والكاتب محمد بن الفرضى، ولكنه وقع مثل عمه
القاسم تحت نفوذ البربر وإمرتهم، فاستبدوا به، وضيقوا عليه.
وكان القاسم بن حمود أثناء ذلك قد استقر في إشبيلية، وتسمى بالخلافة، وتلقب بالمستعلى، وأخذ يرقب سير الحوادث.
ومن الغريب أن القاسم وابن أخيه
يحيى، تهادنا واتفقا على أن يعترف كلاهما بصفة صاحبه.
ويعلق الفيلسوف ابن
حزم على ذلك بأنه لم يسمع بخليفتين تصالحا " وهو أمر، لم يسمع في الدنيا بأشنع
منه، ولا أدل على إدبار الأمور ".
على أن هذا الوضع الشاذ لم يدم طويلا.
ذلك أن البربر أعلنوا خلع يحيى
المعتلى في الثاني عشر من ذى القعدة سنة ٤١٣ هـ، ولم يكن قد مضى على خلافته
سوى عام ونصف، فبادر يحيى بمغادرة قرطبة إلى مالقة.
وفى الحال تحرك عمه
القاسم من إشبيلية تلبية لدعوة البربر، ودخل قرطبة في الثامن عشر من ذى القعدة
المذكور، وجددت له البيعة وتسمى بأمير المؤمنين.
ولكن القاسم لم يوفق في سياسته أيضاً في تلك المرة.
ذلك أنه أصطفى البربر، ومكنهم من أهل قرطبة، فاشتدوا في معاملتهم ومطاردتهم، وضاق أهل قرطبة
في النهاية ذرعاً بتلك الحالة، فثاروا بالبربر، واستعدوا لقتالهم، وأعلنوا خلع
القاسم، واستمرت المعارك حيناً حتى استطاع القرطبيون إرغام القاسم على مغادرة
القصر، وذلك في جمادى الثانية سنة ٤١٤ هـ (سبتمبر سنة ١٠٢٣ م) .
فانقلب
البربر إلى محاصرة المدينة بعد أن أغلق القرطبيون أبوابها.
واستمر الحصار خمسين
يوماً، والمعارك في كل يوم تتجدد، وأخيراً خرج القرطبيون واشتبكوا مع
البربر في معركة كبيرة حاسمة، وقاتلوا قتال اليائسين، حتى هزموا البربر ومزقوا
جموعهم، وتفرقت بقايا البربر وانفضت عن القاسم، فسار القاسم في نفر من
صحبه إلى إشبيلية، وكان بها إبناه محمد والحسن، فأغلقت المدينة أبوابها دونه،
(١) راجع نقط العروس ص ٨٠، والبيان المغرب ج ٣ ص ١٣٢ و١٣٣.