دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٢٦٧
هزيمة، وقتل منهم عدد جم، وتسمى هذه الموقعة في الرواية الإسلامية بموقعة
البيضاء، وهى محلة صغيرة مجاورة لبقيرة [١] .
وفى أواخر عهد عبد الرحمن، هبت على نصارى قرطبة ريح شديدة من
التعصب، ولاحت في الأفق بوادر فتنة دينية واجتماعية خطيرة.
ولم يك في نظم
الحكم الإسلامى، ما يقصد إلى إيذاء النصارى المستظلين بلوائه، ولم تشذ حكومة
قرطبة عن سياسة التسامح الإسلامى المأثور، ولم تحاول تدخلا في شؤون النصارى
الدينية أو تعرضاً لعقائدهم أو شعائرهم، بل كان النصارى في قرطبة وغيرها، أحراراً في عقائدهم وشعائرهم، والاحتكام إلى شرائعهم وقضاتهم، وكثيراً
ما تبوأوا مناصب الثقة والمسئولية في الجيش وفي الإدارة، وكثيراً ما حاربوا مع
إخوانهم المسلمين جنباً إلى جنب، وكانت أغلبية كثيرة منهم تشتغل بالتجارة فى
الثغور والمدن، ويشتغل عامتهم في ضياع المسلمين دون إكراه ولا عنت، وكانت
منهم مجتمعات زاهرة رغدة في قرطبة وغيرها، بل كثيراً ما بهرتهم الفصاحة
العربية فانطلقت بها ألسنتهم ووضعوا بها كتبهم، وكثيراً ما تخلقوا بأخلاق المسلمين
وعاداتهم، ونهجوا نهجهم في الحياة الخاصة.
بيد أنه كان ثمة فريق آخر من
النصارى المتعصبين الذين ويرون في سادتهم المسلمين أجانب غاصبين، معتدين
على دينهم وأوطانهم، وكان أولئك الغلاة يبغضون إخوانهم من النصارى
المعتدلين، ويرمونهم بالمروق والخيانة، وكان رجال الدين، وهم في الأصل
مبعث التعصب ودعامته، يبذرون بذور الشقاق، ويضرمون نار الفتنة، ويوغرون
قلوب الغلاة والمتطرفين، باسم الدين، وكانوا يبغضون المسلمين أشد البغض
ويسخرون من دينهم ونبيهم، ويجاهرون بهذا التحامل والبغض للنبى العربى
وتعاليمه، ويعتمدون في معرفتهم للإسلام ونبيه، على طائفة من الخرافات والأباطيل
التي يتناقلها القسس في كل عصر ومكان.
يقول دوزى: " ولم يك ثمة أيسر
عليهم، وقد كانوا يعيشون بين المسلمين من الوقوف على الحقيقة، ولكنهم
كانوا يرفضون أن يستقوا من المصادر التي كانت لديهم، وكان يسرهم أن
يعتقدوا وأن يعيدوا كل الخرافات السخيفة التي أذيعت عن نبى مكة " (٣) .
[١] ابن حيان (مخطوط القرويين) لوحة ١٩٣ أ.
وبقيرة هى بالإسبانية Viguera.
(٢) Dozy: Hist, I.
p.
٣١٧ et suiv..
ويخصص دوزى لهذا البحث حيزاً كبيراً، وتحمله
نزعة من التعصب في إيراد الوقائع ووصفها، وهو يعتمد هنا بالأخص على مصادر كنسية معاصرة.