دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٥٦٦
فكيف تتحدث الرواية هنا عن تحالف الملوك الثلاثة، وقد ماتوا جميعاً قبل الموقعة
المزعومة؟ هذا ومن جهة أخرى فإن الرواية الإسلامية لا تذكر شيئاً عن هذه
الموقعة، وهى لا تضن علينا في مواطن كثيرة بالتحدث عن هزائم المسلمين، وصمتها في هذا الموطن قرينة، على أنه لم يك ثمة موقعة ولا هزيمة [١] .
ويعلل
مؤرخ إسبانى معاصر هو الأستاذ مننديث بيدال، أصل هذه الأسطورة بكونه
إنما يرجع إلى ما أحرزه سانشو غرسية كونت قشتالة، من نجاح جزئى في بعض
الوقائع، وقد حرصت الأساطير القشتالية على تسجيل هذا النجاح، وعمدت
إلى المبالغة فيه شيئاً فشيئاً [٢] .
وعلى أثر اختتام الغزوة، ارتد المنصور بجيشه جنوباً، وقد لحقه الإعياء، واشتد به المرض، فترك جواده، وسار نحو أسبوعين محمولا على محفة، حتى
وصل إلى مدينة سالم، وهى معقل الثغر المنيع؛ وكان من أعز أمانى المنصور أن
تدركه منيته خلال الغزو، مجاهداً في سبيل الله، وكان دائماً يحمل معه أكفانه
حيثما سار إلى الغزو، وهى أكفان صنعت من غزل بناته، واشتريت من خالص
ماله الموروث.
وقد استجاب الله دعاءه، فما كاد يحل بمدينة سالم، حتى شعر
بدنو أجله، فاستدعى ولده عبد الملك، وألقى إليه نصائحه الأخيرة.
وفى ليلة
الإثنين ٢٧ رمضان سنة ٣٩٢، الموافق ١١ أغسطس سنة ١٠٠٢، توفى المنصور
محمد بن أبي عامر، ودفن كرغبته في صحن قصر مدينة سالم، وذلك لسبعة وعشرين
عاماً من حكمه، وعمره أربعة وستون عاماً، إذ كان مولده في سنة ٣٢٨ هـ، ونقش على شاهد قبره هذان البيتان:
آثاره تنبيك عن أخباره..
.
حى كأنك بالعيان تراه
تالله لا يأتى الزمان بمثله..
.
أبداً ولا يحمى الثغور سواه [٣]
ولبث قبر المنصور بمدينة سالم عصوراً، مزاراً معروفاً، وذلك بالرغم من
[١] راجع: Dozy: Recherches: Vol.
I.
p.
١٩٨ - ٢٠٢ ; Hist.
V.
II.
p.
٢٦٨
وقد لخص العلامة المستشرق كونثالث بالانثيا آراء الفريقين في كتابه:
Historia de la Espana Musulmana (٤a Ed.
) p.
٥٧ & ٥٨.
[٢] R.
M.
Pidal: Historia y Epopya p.
٢١
[٣] الحلة السيراء ص ١٥١.