دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٢٤٣
وفى أواخر عهد الحكم اضطرمت بقرطبة ثورة خطيرة كادت أن تزعزع
عرشه، وكان الشعب القرطبى ينقم على الأمير طغيانه وصرامته وكبرياءه، وكان
بين أهل قرطبة كثير من " المولدين " الذين يبغضون السلطة الحاكمة،
لشعورهم بنقص في مركزهم الإجتماعى وفي حقوقهم العامة، وكان الفقهاء من
جهة أخرى، وفي مقدمتهم جماعة من المحرضين البارعين مثل طالوت المعافرى
وغيره، يعملون على إذكاء سخط العامة على الحكم وبلاطه، بما يرمون به الحكم
من جنوح إلى المعاصى، واقتراف للإثم، وانهماك في اللهو والشراب، فكانت
بين الأمير وبين أهل قرطبة وحشة تشتد على ممر الأيام، وزاد في سخط العامة
ما فرضه الحكم على المواد الغذائية، من عشور مرهقة، وكان العامة يجاهرون
بذم الأمير والخوض في سيرته، ويجتمعون في المساجد ليلا لتجريحه والطعن
عليه، ووصلت بهم الجرأة إلى أن كانوا يتعرضون له في الطريق، وينعتونه علنا
" بالمخمور ".
وحدث ذات يوم أن خرج الأمير إلى الصيد، وشق سوق "الربض"
فتعرضوا له بالقول، وصفقوا عليه بالأكف، فأمر بالقبض على عشرة من
زعمائهم وصلبهم.
ويقول لنا ابن القوطية، إن أولئك الذين قبض عليهم وصلبوا
كانوا من زعماء مؤامرة دبرت ضد الحكم، وكان منهم بعض أعلام القوم، مثل
يحيى بن نصر اليحصبى، وموسى بن سالم الخولانى وولده [١] .
وهنا ازداد الهياج،
وبدت أعراض الثورة، وتحفز العامة للوثوب، وأكثروا من التعرض لجند
الأمير وحرسه والاعتداء عليهم، وشعر الحكم بخطورة الموقف، فحصن القصر
واتخذ أهبته.
وفى ذات يوم اضطرمت نار الثورة فجأة، وذلك على أثر مشادة
وقعت بين أحد مماليك الحكم وبين صيقل عهد إليه بصقل سيفه، فتباطأ الصيقل،
فقتله المملوك، فثار العامة في الحال، وهرعوا إلى السلاح، وكان أشدهم تحفزاً
وهياجاً أهل "الربض" الجنوبى في الضفة الأخرى من النهر، وهى ضاحية قرطبة
الجنوبية المسماة (شَقُندة) ، وكانت كثرتهم من الأوغاد والسفلة، وكان ذلك
في اليوم الثالث عشر من رمضان سنة ٢٠٢ هـ (٢٥ مارس ٨١٨ م) [٢] ، وزحفت
[١] ابن القوطية في " افتتاح الأندلس " ص ٥٠ و٥١.
[٢] تختلف الرواية الإسلامية في تاريخ هذه الموقعة اختلافاً بينا، فتضع معظم الروايات
الأندلسية تاريخها في سنة ٢٠٢هـ؛ ويعين ابن الأبار اليوم والشهر الذى وقعت فيه فيقول إنها وقعت =