دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٤٨٥
عرشه.
وتفيض الرواية الإسلامية في وصف مقدمه على قرطبة، ومثوله بين
يدى الخليفة، فتقول لنا إن أردونيو وفد على قرطبة في عشرين رجلا من وجوه
أصحابه، ومعهم غالب الناصرى مولى الحكم وصاحب مدينة سالم، وذلك في آخر
صفر سنة ٣٥١ هـ (٣٠ مارس ٩٦٢ م) .
وتلقاهم الوزير هشام المصحفى في قوات
كثيفة من الجند.
فلما دخلوا قصر قرطبة، ووصل أردونيو إلى ما بين باب السُّدة
وباب الجنان، سأل عن مكان مدفن الناصر، فأشير إليه في الروضة بداخل
القصر، فسار إليه وخلع قلنسوته وانحنى أمامه خاشعاً.
وأنزل أردونيو وصحبه
في دار الناعورة الفخمة، وبولغ في إكرامهم.
وبعد يومين استدعاهم الحكم
إلى قصر الزهراء، وقد حشدت قوات عظيمة من الجند، وبولغ في الاحتفال
بالزينات، وإظهار الأسلحة والعُدَد.
وجلس الحكم فوق سرير الملك في المجلس
الشرقى، ومن حوله الإخوة والوزراء والأكابر، وجىء بأردونيو وأصحابه، ومعهم جماعة من وجوه نصارى الأندلس.
فدخلوا بين الصفوف الفخمة المزركشة
وقد بهروا بما رأوا، وجازوا أبواب القصر المتعاقبة، وأجلسوا برهة في بهو
الانتظار، ثم استدعوا للمثول بين يدى الخليفة، فسار أردونيو ومن ورائه أصحابه، فلما وصل إلى المجلس الخلافى كشف رأسه وخلع برنسه.
ولما دنا من سرير الحكم
سجد أمامه ثم قبل يده.
ثم ارتد راجعاً إلى كرسى من الديباج المثقل بالذهب.
وتولى الترجمة بين أردونيو والخليفة، وليد بن خيزون قاضى الذمة بقرطبة، وأعرب الحكم عن سروره وترحيبه بمقدم أردونيو، ووعده برعايته.
وبسط
أردونيو قضيته، وشكا مما أنزله به خصمه سانشو، مع أن الشعب كان قد آثره
باختياره، ولكن خصمه لجأ إلى الخليفة الراحل واستجار به، فأغاثه ونصره
عليه، ومع ذلك فقد قصر في الوفاء بعهوده، وأنه يضع نفسه وبلاده وشعبه، تحت رعاية الخليفة، وأنه يتعهد بمحالفة الإسلام، ومقاطعة صهره فردلند القومس
أمير قشتالة، ويقدم ولده غرسيه رهينة بصدق وفائه [١] .
وهنا وعده الخليفة
بعونه ونصرته في تمليكه ما كان له.
وانصرف أردونيو بعد الشكر والتحية، وخرج من المجلس، وقد بهره وأذهله ما رأى من آيات الفخامة والسلطان.
وقدم
إليه الحاجب جعفر الهدايا التي أمر بها الخليفة له ولأصحابه.
وألقى الخطباء والشعراء
[١] ابن خلدون ج ٤ ص ١٤٥.