دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٤٧٩
الميلادى، وقوامها القريض الحربى والغنائى، وزعماؤها فرسان شعراء وفنانون.
أضف إلى ذلك أن تأثير الحضارة الإسلامية في سير الحضارة الأوربية، لم يقف عند
هذا العصر ولا عند هذه الحدود، فقد استمرت العلائق بعد ذلك طويلا بين
مسلمى الأندلس والأمم النصرانية المجاورة، وكان للحضارة الأندلسية في تطورها
العقلى والاجتماعى أعظم الآثار.
وقد لبثت ذكرى العرب وذكرى الغزوات العربية في فرنسا، تثير مدى
القرن الثامن في نفوس النصارى أعظم ضروب السخط والروع، وتقدمها الرواية
الكنسية المعاصرة في أشنع الصور؛ فلما ظهرت عصابات النورمان والمجر وغزت
فرنسا من الشرق والغرب، رأى النصارى من عيثهم وسفكهم أهوالا لا تذكر
بجانب أهوال الغزوات الإسلامية، وارتفعت ذكرى العرب وأضحت تقترن
بكل ما هو عظيم ضخم [١] ، وفي ذلك يقول المستشرق رينو: " إن ذكرى الغزوات
النورمانية والمجرية لا توجد إلا في الكتب.
ولكن ما السر في أن ذكرى العرب
ما زالت ماثلة في جميع الأذهان.
لقد ظهر العرب في فرنسا قبل النورمان والمجر، واستطالت إقامتهم بعد الغزوات النورمانية والمجرية، وإن غزوات العرب الأولى
ليطبعها طابع من العظمة، حتى أننا لا نستطيع أن نتلو أخبارها دون تأثر.
ذلك
لأن العرب [٢] دون النورمانيين والمجر، ساروا مدى آماد في طليعة الحضارة، ثم إنهم لبثوا بعد أن غادروا أرضنا موضع الروع في شواطئنا، وأخيراً لأن المعارك
التي اضطلعوا بها أيام الصليبيين في اسبانيا وإفريقية وآسيا، أسبغت على اسمهم
بهاء جديداً، بيد أن هذه العوامل كلها قد لا تكفى لتعليل المكانة العظيمة التي
يتبوأها الاسم العربى في أوربا وفي أذهان المجتمع الأوربى.
أما السبب الحقيقى لهذه
الظاهرة المدهشة، فهو الأثر الذى بثه قصص الفروسية في العصور الوسطى، وهو أثر لا يزال ملموساً إلى يومنا " [٣] .
[١] Reinaud: ibid , p.
٣١٠
[٢] يلاحظ أن كلمة " العرب " هنا يجب أن تفهم بأوسع معانيها، فالمقصود بها هنا " الغزاة
المسلمون ".
ومنذ أواخر القرن الثامن الميلادى تغيض الصبغة العربية عن هذه الفتوحات، وتغدو
فتوحات إسلامية، ينضوى تحت لوائها العرب وغيرهم من أبناء المجتمعات الإسلامية، التي قامت
في إفريقية واسبانيا.
[٣] Reinaud: ibid; p.
٣١١ - ٣١٢.
وقد اعتمدنا على مؤلف هذا العلامة في كثير من
هذه الملاحظات الخاصة بآثار العرب (المسلمين) فلا جنوب فرنسا.