دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ١١٨
فدانوا بها، ولقنوها من العرب الناقلة ممن سمعها بالعراق، وتعددت طوائفهم، وتشعبت طرقها من الإباضية والصفرية.
وفشت هذه البدعة وعقدها رؤوس
النفاق من العرب، وجرت إليهم الفتنة من البربر ذريعة الانتزاء على الأمر، فاختلوا في كل جهة، ودعوا إلى قاندهم طغام البربر، تتلون عليهم مذاهب
كفرها، ويلبسون الحق بالباطل فيها، إلى أن رسخت فيهم عروق من غرائسها.
ثم تطاول البربر إلى الفتك بأمر العرب " [١] .
ويصف دوزى موقف البربر من العرب فيما يأتى: " اعتنق البربر سكان
الأكواخ الحقيرة، كل التعاليم بحماسة لا توصف، ولا ريب أنهم لجهالتهم
وسذاجتهم، لم يدركوا شيئاً من تضارب المذاهب ودقائقها، مما تدركه وتسيغه
أذهان مستنيرة، فمن العبث إذاً أن نبحث عن أى الفرق كانوا يفضلون الانضمام
إليها، وعما إذا كانوا من الحرورية أو الصفرية أو الإباضية، فقد اختلف الرواة
في ذلك.
ولكنهم كانوا يفقهون من المبادئ.
ما يسمح لهم باعتناق المبادئ الثورية
والديمقراطية، ومشاطرة الآمال الخيالية التي يذيعها فقهاؤهم في المساواة العامة، وما يقنعهم بأن ظالميهم كانوا آثمين نصيبهم النار.
ولماكان الخلفاء منذ عثمان جميعاً
غاصبين غير مؤمنين، فلم يكن جريمة أن يثوروا على المظالم الذى يسلبهم أراضيهم
ونساءهم.
فقد كان هذا حقاً بل كان واجباً.
ولما كان العرب قد أبعدوهم عن
السلطة، ولم يتركوا لهم إلا ما عجزوا عن أخذه منهم، أعنى حكم القبائل، فقد
اعتقدوا بسهولة أن نظرية سيادة الشعب، وهى نظرية يعتنقونها في ظل استقلالهم
الوحشى منذ غابر العصور، إنما هى نظرية عريقة في الإسلام عريقة في الإيمان.
وأن أقل بربرى يمكن رفعه إلى العرش برأى الجماعة.
وهكذا كان هذا الشعب
الذى بولغ في ظلمه، يثيره متعصبون أنصاف فقهاء وأنصاف جند، وينزع إلى
رفع هذا النير باسم الله وباسم النبى، وباسم هذا الكتاب المقدس (القرآن) الذى
اعتمد عليه آخرون في إقامة الطغيان الرائع " [٢] .
فلما ولى عبيد الله بن الحبحاب إفريقية، كانت القبائل البربرية تضطرم بعوامل
الثورة ولاسيما في المغرب الأقصى، فسير عبيد الله إلى مواطن الثورة في قاصية
المغرب جيشاً بقيادة حبيب بن أبي عبيدة الفهرى، فأثخن في هاتيك الأنحاء ومزق
[١] ابن خلدون ج ٦ ص ١١٠.
[٢] Dozy: Hist.
V.
I.
p.
١٤٩ - ١٥٠