دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٦٥
على مملكة القوط قضاء تاما، وفي عامين فقط وطدت سلطة المسلمين فيما بين
إلبحر الأبيض المتوسط وجبال البرنيه.
ولا يقدم لنا التاريخ مثلا آخر اجتمعت
فيه السرعة والكمال والرسوخ بمثل ما اجتمعت في هذا الفتح..
.
وقد كان المظنون
في البداية أن الغزو إنما هو أمر مؤقت فقط.
ولم يتوقع أحد أن يكون احتلال
البلاد دائما.
فلما استقرت الجماعات المستعمرة، وفتحت الثغور لتجارة المشرق، وأقيمت المساجد، أدرك القوط فداحة الخطب الذى نزل بهم.
ولكن اعتدال
حكامهم الجدد خفف من ألم الهزيمة.
وكان دفع الجزية يضمن الحماية لأقل الناس.
وكان يسمح للورع المتعصب أن يزاول شعائره دون تدخل، كمكا يسمح للملحد
أن يجاهر بآرائه دون خشية المطاردة، والأحبار يزاولون شؤونهم في سلام.
أما أقوال الكتاب النصارى التي ينسبون فيها للعرب أفظع المثالب، فهى محض
مبالغة أو افتراء " [١] .
أجل، لم يك ثمة ما يدعو لأن يعتبر الفتح الإسلامى لاسبانيا كارثة قومية
يفزع لها الشعب ويأسو، بل كان كل ما هنالك بالعكس يدعو إلى اعتباره نذير
الخلاص والأمل.
ألم يكن شعار الفاتحين التسامح والعدل والمساواة؟ لقد كان
تسامح الإسلام نبراساً يشع بضوئه المنقذ في هاتيك المجتمعات التي أضناها الإرهاق
الدينى، ولم ير الإسلام بأساً من أن يستقبل النصارى واليهود إلى جانب المسلمين
في مجتمع واحد، يسوى فيه بينهم في جميع الحقوق والواجبات، ولم ير بأساً من
أن تقوم الكنائس والبيع إلى جانب المساجد، ألم يكن ذلك أبدع وأروع ما فى
سياسة الفتح الإسلامى؟ لقدكانت حرية الضمائر رالعقائد والفكر، وما زالت منذ
أقدم العصور لا أثمن ما تحرص عليه الشعوب الكريمة وتذود عنه.
فإذا ذكرنا أن هذا التسامح الذى أبداه الإسلام نحو الأمم المغلوبة، وهذا
الاحتراام لضمائر الناس وعقائدهم، وهذه الحرية التي تركها لهم في إقامة شعائرهم، إنما جاءت بعد عصور طويلة من الاضطهاد الدينى، اتخذت فيها مطاردة الضمائر
والعقائد أشنع الأساليب والصور، استطعنا أن نقدر ما كان لذلك الانقلاب من
[١] Scott: ibid, V.
I.
p.
٢٦٠ & ٢٦٤.
وينوه باحث أمريكى حديث آخر هو الدكتور
لى Lea بتسامح العرب والمسلمين خلال العصور الوسطى، وترفعهم عن الخصومات الدينية، وبغض
الأجناس أو التفرقة بينها.
راجع: History of the Inquisition in Spain V.
I.
p.
٣٥٦