دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٤٩٣
وفى أوائل سنة ٣٦١ هـ (٩٧١ م) سار بُلكّين بن زيرى بن مناد الصنهاجى، قائد الخليفة الفاطمى المعز لدين الله، من إفريقية غازياً إلى المغرب، ليعيد
هنالك سلطان الشيعة، ولينتقم من قبيلة زناته، لمقتل أبيه زيرى بن مناد.
وكان
زيرى عامل الخليفة المعز وقائده على المغرب، وكانت زناتة من القبائل المغربية
القوية المخالفة للشيعة، والمنضوية تحت لواء الأمويين.
وكان من أشد خصوم
الشيعة أيضاً، جعفر ويحيى ابنا على بن حمدون المعروف بالأندلسي [١] ، وكان
الأندلسي هذا قد استقر في "المسيلة" في المغرب الأوسط، وبسط حكمه على تلك
الناحية، وخلفه ولده جعفر في إقطاعه، ولكنه خشى سطوة الشيعة، وسطوة
عاملهم زيرى، ففر وأخوه يحيى مع الأهل والمال إلى المغرب الأقصى، ولجأ
إلى بني خزر أمراء زناتة الأقوياء، وألد خصوم الشيعة وصنهاجة.
وكان رسل
الحكم يروجون الدعوة في زناتة وحلفائهم لمحاربة الشيعة، ويمدونهم بالمال لحشد
الرجال والعدة، فاجتمعت قوات بني خزر وجعفر ويحيى على قتال زيرى، ودارت بينهما الحرب في وادي ملوية عند مشارف المغرب الأقصى، وانهزم
الشيعة، وقتل زيرى ومعظم رجاله بعد معركة طاحنة واحتوى الزناتيون على
معسكره، وانهار بذلك سلطان الشيعة في المغرب، وكان ذلك في العاشر من
رمضان سنة ٣٦٠ هـ (يوليه ٩٧١ م) .
واحتز الظافرون رأس زيرى ورؤوس
عدة من أكابر صحبه.
وحملها جعفر ويحيى وأصحابهما إلى الأندلس، وقدموها
إلى الحكم، فحظوا لديه وغمرهم بعطفه وصلاته [٢] .
[١] ذكر اين حيان نقلا عن محمد بن يوسف بن عبد الله الوراق أن جعفراً وأخاه هما من
أصل أندلسي، وهما ابنا على بن حمدون بن سملك بن سعيد بن إبراهيم.
وكان منزلهم بالأندلس بكورة
إلبيرة على مقربة من قلعة يحصب.
وانتقل جدهما حمدون إلى إفريقية وتزوج من كتامة، ثم سافر إلى
الحج، وتعرف هناك بأبى عبد الله الشيعى ودخل في مذهبه.
ولما ظهر الشيعى بإفريقية واحتوى على
ملك بني الأغلب حظى لديه، وحظى أبناؤه لدى الخلفاء الفاطميين، واستقروا مدى حين حكاماً
للمسيلة.
ثم اتهم زعيمهم جعفر بالإتصال ببنى خزر، وتوعده الخليفة المعز بشر النكال ففر وأخوه
في الأهل والمال إلى بني خزر أمراء زناته (راجع المقتبس - قطعة أكاديمية التاريخ - ص ٣٣ - ٣٦)
[٢] يقدم إلينا ابن حيان تفاصيل ضافية عن استقبال جعفر وأخيه يحيى حين مقدمهما إلى
الأندلس برؤوس زيرى وأصحابه، ودخولهما قرطبة في ركب ضخم برفقة صاحب السكة والمواريث
وقاضى إشبيلية محمد بن أبي عامر، ثم استقبال الخليفة لهما ومن معهما من أعيان بني خزر، وذلك
بالمجلس القبلى من قصر الزهراء، في حفل فخم رتبت فيه صفوف الجند وأهل الخدمة بأثوابهم =