دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ١٩
الإمبراطورى، وهكذا قدر لها أن تكون منشئة الإمبراطورية الإسلامية الكبرى.
وما كادت تستقر الأمور الداخلية، حتى نشطت سياسة الفتح مرة أخرى.
وكانت
الخلافة في نفس الوقت الذى تسير فيه جيوشها نحو الشمال وتقترب من عاصمة
الدولة الشرقية، تتجه ببصرها نحو الغرب، حيث كانت فتوحها في إفريقية
ما تزال بحاجة إلى التوسع والتوطد.
وهكذا وجه معاوية عنايته إلى إتمام فتح
إفريقية.
وكان الروم قد عادوا إلى الأرض المفتوحة عقب انسحاب العرب، فعاد إلها الجور والإرهاق، وأثقل كاهل البربر بما فرض عليهم من الأعباء
والمغارم الجديدة، فاتصل زعماؤهم بالعرب واستحثوهم إلى العود واستئناف
الفتح.
ففى سنة ٤٥هـ (٦٦٥ م) سار معاوية بن حُديج التجيبى [١] إلى إفريقية
وهزم الروم عند حصن الأجم، وتفرق الغزاة في مختلف الأنحاء، فسار عبد الله
ابن الزبير إلى سوسة وافتتحها، وافتتح عبد الله بن مروان حصن جالولاء، وافتتحت عدة أخرى من البلاد والحصون.
وفى سنة خمسين (٦٧٠ م) [٢] قام العرب بأعظم فتح في إفريقية بقيادة عقبة
ابن نافع الفهرى.
وكان عقبة جندياً عظيماً، خبيراً بتلك الأنحاء والمسالك، وكان
يتولى قيادة حامية برقة منذ فتحها، فاختاره الخليفة (معاوية) لولاية إفريقية، وبعث إليه بعشرة آلاف مقاتل ليتم فتحها.
فجاز عقبة وهاد برقة، وتوغل غربا
حتى المغرب الأقصى، وافتتح جميع العواصم والثغور الإفريقية تباعاً، وهزم
جيوش الروم والبربر في مواقع عديدة، وتوغل في مفاوز المغرب الأقصى، ثم
[١] وذكر بعض المؤرخين أن معاوية بن حديج كان في ذلك الحين واليا على إفريقية (ابن
الأثير ج ٣ ص ١٨٤) ، وذكر البلاذري أنه ولي بعد ذلك على مصر سنة ٥٠هـ، وأنه هو الذى
بعث عقبة بن نافع إلى إفريقية (ص ٣٢٧) ، وذكر الطبرى أن معاوية بن حديج ولى مصر وعزله
معاوية سنة ٥٠هـ (ج ٦ ص ١٣٤) .
ويضع ابن الأثير تاريخ ولاية ابن حديج لمصر
سنة ٤٧هـ.
على أن صاحب النجوم الزاهرة الذى عنى عناية خاصة بتعداد ولاة مصر يقول: إن
حاكم مصر من سنة ٤٥ - ٤٨هـ هو عقبة بن عامر الجهنى (النجوم الزاهرة ج ١ ص ١٣٠) ، وإن الذي وليها بعده هو مسلمة بن مخلد الأنصارى، واستمر في ولايتها حتى سنة ٦٢هـ، وفى
ولايته وقع فتح إفريقية الكبير.
[٢] هذه هي الرواية الراجحة، ولكن ابن عبد الحكم يضع تاريخ هذه الغزوة في سنة ٤٦هـ.