دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ١٤٣
النواحى، واتسع الأمر على الحكومة المركزية، وانحل سلطانها في الأنحاء
النائية، وأضحى عرضة للانتقاض والانهيار.
ولبث دعاة الشيعة زهاء نصف قرن ينظمون دعوتهم، ويضعون لها الأصول
والقواعد، ويحشدون لها الصحب والأنصار في سائر النواحى، وكانت كغيرها
من الدعوات السرية الثورية، تلقى في الخفاء تأييداً كبيراً.
وليس من موضوعنا
أن نتحدث عن مبادئ الشيعة ورأيهم في الإمامة ومساقها [١] .
ويكفى أن نقول
إن اختلاف الشيعة فيما بينهم، على حق الإمامة ومساقها في ولد على، لم يحل دون
إجماعهم على خصومة بني أمية، ولا دون استمرار الدعوة الشيعية وتقدمها.
وكانت إمامة الشيعة قد انتقلت بعد مقتل الحسين إلى أخيه، محمد بن على بن
أبى طالب المعروف بابن الحنفية [٢] .
فلما توفى سنة ٨١هـ، قام بها ولده أبو هاشم
عبد الله بوصية منه.
واستمر أبو هاشم أيام الوليد بن عبد الملك وأخيه سليمان قائماً
بأمر الشيعة، يفدون عليه ويؤدون له الخراج.
ثم توفى مسموماً سنة ٩٨هـ
بتحريض سليمان بن عبد الملك فيما يقال، وأوصى بالإمامة إلى ابن عمه محمد
ابن على بن عبد الله بن العباس كبير عقلاء الشيعة يومئذ.
والعباس هو ابن عبد المطلب
عم النبى.
وتقدمت الدعوة الشيغية على يد محمد بن على تقدما كبيراً، وظفرت
في ذلك الحين بأعظم دعاتها السياسيين، ونعنى أبا مسلم الخراسانى.
وقد كان
أبو مسلم شخصية عظيمة، وكان يتمتع بمقدرة ومواهب فائقة.
ولكن الغموض
محيط مع ذلك بأصله ونشأته، وتختلف الرواية في أمره اختلافاً كبيراً، حتى أنها
لتختلف فيما إذا كان من الأحرار أو الموالى.
فيقول البعض إنه حر، يرجع إلى
أصل فارسى رفيع المنبت، وإنه ولد بأصبهان ونشأ بالكوفة، واسمه الحقيقى
إبراهيم بن عثمان بن بشار.
ويقول البعض إنه من الموالى، وأصله من أصبهان، واسمه إبراهيم.
وقيل بل كان عبداً لبكير بن ماهان أحد عمال السند، وإنه
استصحبه إلى مكة في زيارته لإبراهيم الإمام، فأعجب إبراهيم بذكائه وفطنته
واشتراه منه.
وأما تسميته بأبى مسلم، فيقال إنه سمى نفسه عبد الرحمن بن مسلم،
[١] أورد ابن خلدون في مقدمته شرحا حسنا لمبادىء الشيعة ومساق الإمامة عند مختلف فرقهم
(المقدمة صى ١٦٤ - ١٦٨) .
ويتناولها الشهرستانى في " الملل والنحل " بشيء من التفصيل؛
وكذلك عبد القاهر البغدادى في كتابه " الفرق بين الفرق ".
[٢] وهو أخو الحسن والحسين من الأب فقط.
ويعرف بابن الحنفية نسبة لأمه خولة بنت
جعفر بن قيس المعروف بالحنفية.