دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٢٣٦
وحاول أن يخترق خطوط العدو، ولكنه ضبط وأسر، ولم تستطع برشلونة
ثباتاً بعد أن هلك ألوف من أهلها، وفتحت ثغرات عديدة في أسوارها، فاضطرت
إلى التسليم بعد أن ذاقت ويلات الحصار سبعة أشهر.
واتخذ الفرنج من برشلونة
مكان جيرندة، قاعدة للثغر القوطى الذى نما فيما بعد، وكان الفرنج يعينون حكامه
من الكونتات الذين ينتمون إلى أصل قوطى أو فرنجى.
ولم يلبث أولئك الحكام، حينما شعروا بقوتهم وبعدهم عن سلطان مملكة الفرنج، أن أعلنوا استقلالهم، وغدا
الثغر الفرنجى إمارة نصرانية هى إمارة قطلونية، التي اندمجت فيما بعد في مملكة
أراجون القوية، وخسر الإسلام بفقد برشلونة أمنع ثغوره في قاصية اسبانيا، وارتدت حدود الأندلس إلى الثغر الأعلى، بعد أن كانت تجاوز جبال البرنيه [١] .
وفى سنة ١٨٩ هـ (٨٠٥ م) اكتشف الحكم مؤامرة خطيرة دبرت لخلعه، وكان من ورائها رهط الفقهاء الذين قضى الحكم على نفوذهم، مثل يحيى بن يحيى
الليثى، وعيسى بن دينار، وطالوت الفقيه، وغيرهم من زعماء المالكية.
وقد
رأينا كيف سخط الفقهاء على الحكم لتصدع نفوذهم القديم، وأثاروا عليه وعلى
خلاله دعاية قوية، واتهموه من فوق المنابر بالقسوة والخروج على أحكام الدين، وكيف كان الحكم، بمرحه وبذخه، وشغفه باللهو والشراب، يسبغ على دعايتهم
قوة.
وكان ثمة فريق آخر من أعيان قرطبة ينقم على الحكم صرامته وطغيانه.
وكان هؤلاء وهؤلاء يتربصون بالحكم ويلتمسون الفرصة للإيقاع به، وكان
في موقف الشعب القرطبى، ما يشجعهم على تدبير مشاريعهم، إذ كان الشعب
متأثراً بدعاية الفقهاء في حق الحكم، وبما كان يبديه الحكم من ترفع عن الشعب، فكان أهل قرطبة يبغضون الحكم وبلاطه.
وهكذا ائتمر الفقهاء والأعيان بالحكم
واتفقوا على خلعه، وكان في مقدمة المتآمرين مالك بن يزيد بن يحيى التجيبى، وموسى بن سالم الخولانى، وأبو كعب بن عبد البر وأخوه عيسى، ويحيى
ابن مضر القيسى الفقيه وغيرهم، وكان بينهم بعض المروانية من أقارب الحكم، ومنهم محمد بن القاسم المروانى الذى اختاره المتآمرون لرياستهم، ووعدوه بأن
[١] تضع الرواية الإسلامية تاريخ سقوط برشلونة في سنة ١٨٥ هـ (٨٠١ م) متفقة بذلك
مع الرواية الفرنجية، وقد وردت عنه نبذة حسنة في مخطوط ابن حيان الذى أشرنا إليه (ص ٩٠) .
وراجع ابن الأثير ج ٦ ص ٥٥؛ وكذلك Scott: ibid , V.
I.
p.
٤٤٨ - ٤٥٢; وAltamira
Hist.
de Espana: Vol.
I.
p.
٢٤١