دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ١٤٢
واستغل الشيعة هذه العاطفة لبثِّ دعوتهم وتدعيم قضيتهم، وحشد العناصر الناقمة
في صفوفهم.
وكان اضطرام العصبية والخلافات القومية من جهة أخرى، يعمل
عمله لتمزيق روابط هذه الإمبراطورية الشاسعة.
ففى إفريقية كانت ثورات البربر
القومية، تستنفد قوى الخلافة ومواردها بلا انقطاع، وكان الخلاف بين العرب
والبربر في الأندلس، يهدد مصير الإسلام والخلافة في ذلك القطر النائى، ويفت
في عضد الزعماء والقادة، ويبعث الاضطراب والوهن إلى صفوف الغزاة.
وكان
العرب أنفسهم قدوة سيئة في تفرق الرأى والكلمة.
فكانت المعركة الخالدة بين
مضر وحمير، وبين مختلف القبائل والبطون، تمزق أوصال الوحدة العربية، وتقوض دعائم هذه العصبية القومية، التي دفعت يوم اتحادها وتماسكها، سيل
الفتوح الإسلامية إلى أقاصى المشرق والمغرب.
كانت الخلافة الأموية تسيطر على دولة عظيمة مترامية الأطراف.
ولكن
سلطانها الحقيقى كان محدود المدى داخل هذه الإمبراطورية الشاسعة، وكان
فوق ذلك يقوم على دعائم مضطربة.
وفى ذلك ما يفسر تلك الظاهرة التي يعرضها
سقوط الدولة الأموية.
فبينا هى تبدو في أوج قوتها وفتوحها، إذ بها تنهار فجاة، وتبدو في الحال مظاهر ضعفها وتفككها، ويبدو ما كان يحيط بسلطانها
الشاسع من عوامل مصطنعة، وما كان يهدده من عوامل الهدم الخفية، المعنوية
والنفسية.
وكانت هذه العوامل الخفية في الواقع أخطر ما يهدد سلطان بني أمية، فإن تلك الأحقاد المرة التي أثارتها السياسة الأموية في نفوس خصومها، كانت
تسرى وتجيش، وتحيط ملك بني أمية بسياج خطر من الحفيظة والبغض.
وكانت
هذه الخصومة الخطرة التي يغذيها ظمأ الانتقام، هى عماد الدعوة الشيعية التي
لبثت تشق طريقها منذ مقتل علىّ، ثم مقتل بنيه من بعده.
ثم تأثلت هذه الخصومة
وتوطدت منذ أوائل القرن الثاني من الهجرة.
واستطاع الشيعة أن يظهروا فى
النواحى، ولاسيما في العراق وخراسان، وأن يدبروا عدة ثورات محلية خطيرة.
وقد أخمدت هذه الحركات الأولى في سيل من الدماء.
ولكن القمع كان يذكى
النضال، وإراقة الدم تذكى ظمأ الانتقام.
ولم تكن المعركة متكافئة من الوجهة
المادية، فلم يك للشيعة جيوش منظمة أو موارد يعتد بها، ولكن خطر المعركة
كان يجثم في نواحيها المعنوية.
واشتد هذا الخطر حينما ضعف أمر العمال فى