دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٢٣٤
الفتنة.
على أن الخلافة العباسية، كانت من جهة أخرى تتصل بالمملكة الفرنجية
بصلات سياسية.
وترجع الرواية الفرنجية هذه الصلة إلى عهد المنصور، وتقول
لنا إن ببين ملك الفرنج أرسل إلى المنصور سفارة رد عليها المنصور بمثلها، وتضيف الرواية الفرنجية إلى ذلك أنه كانت ثمة بعدئذ مكاتبات وسفارات بين
الرشيد وبين شارلمان ولد ببين، ومع أن الرواية الإسلامية لا تذكر شيئا عن
هذه العلائق بين ملك الفرنج والخليفة العباسى، فإن في تفاصيل الرواية الفرنجية، وفى طبيعة الحوادث التي كان يجوزها الشرق والغرب يومئذ، ما يحملنا على الاعتقاد
في صحتها [١] .
وهذه العلائق ذاتها تلقى ضوءاً على موقف السياسة العباسية، من
حوادث الأندلس في ذلك الحين.
فقد كانت الخلافة العباسية ترى في قيام إمارة
قرطبة الأموية في الغرب منافسا لها في سيادة العالم الإسلامى، ولم يكن يسوءها أن
تتعثر هذه الإمارة الفتية في معترك من الصعاب والفتن، وأن تشغل بمقارعة
أعدائها في الداخل والخارج.
وإذاً فقد كانت الخلافة العباسية تشاطر السياسة
الفرنجية نفس الغاية التي ترمى إليها بالنسبة لإمارة قرطبة، وهى العمل على إضعافها
وتحطيمها إن أمكن، ولما كانت الدولة العباسية لا تستطيع أن تعمل لتحقيق هذه
الغاية بطريق مباشر، فقد كان في وسعها على الأقل أن تعمل لتأييدها بطريق
الدعوة والتحريض.
ولم يكن بعيداً أن يجد الخليفة العباسى، وهو يبسط حكمه
على ملايين من النصارى، وفي أرضه يقع القبر المقدس، وسيلة للتفاهم مع
إمبراطور الفرنج وحامى النصرانية، وأن يجد عاهل الفرنج ما يشجعه على إذكاء
تحرشه بإمارة قرطبة، في رفق الخليفة برعاياه النصارى، هذا فضلا عن أن
السياسة الفرنجية تعمل بذلك على تحقيق غايتها الأصلية من مناوأة الإسلام في اسبانيا
وإضعاف سيادته ونفوذه، وحماية حدود مملكة الفرنج الجنوبية.
وإذاً فمن المحتمل
أن يكون لهذه السفارات والمراسلات السياسية، التي تقول الرواية الفرنجية
بوقوعها بين الرشيد وشارلمان، صلة بهذه المرحلة من تدخل الفرنج في شؤون
اسبانيا المسلمة، واعتدائهم المتكرر على أراضيها.
وقد وقع الغزو الفرنجى لشمال
اسبانيا في عهد الحكم بين سنتى ١٨١ و١٨٥هـ، أعنى في أواسط عهد الرشيد
[١] تناولت موضوع العلائق بين الرشيد وشارلمان في فصل خاص في كتابى " مواقف حاسمة
في تاريخ الإسلام " (الطبعة الرابعة ص ٢١٨ - ٢٢٤) .