دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٤٢٢
فأسبغ عليه لقب الوزارة، وجعله قائداً للثغر، وعاد إلى سرقسطة، وكان يزور
قرطبة من آن لآخر، واستمر والياً لسرقسطة حتى توفى في سنة ٣٣٨ هـ.
فعين
الناصر ولده يحيى مكانه في الولاية والقيادة.
وشغل النصارى مدى حين بعد
موقعة الخندق بطائفة جديدة من الحروب الأهلية، واستطاع عبد الرحمن خلال
ذلك أن يعنى بإصلاح شئون المملكة وتقويتها.
وجنح راميرو ملك ليون إلى السلم مرة أخرى، وبعث إلى الناصر يطلب
عقد الصلح فأجابه الناصر عن كتابه بالقبول، وبعث إليه سفيراً ليعقد معه
شروط السلم.
ولكنه كان كالعادة سلماً قصير الأمد.
وعقد الناصر من جهة أخرى السلم مع صاحب برشلونة الإفرنجى شنير بن
منفريد، وبعث إليه كاتبه حسداى بن إسحاق الإسرائيلى، لينظم معه عقد السلم
وفقاً للشروط التي ارتضاها الناصر، وخلاصتها أن يتخلى شنير عن إمداد جميع
النصارى الذين ليسوا في سلم الناصر، وأن يلتزم طاعته، وأن يحل المصاهرة التي
بينه وبين غرسية بن شانجه صاحب بنبلونة (نبرّة) ، وكان شنير قد زوجه
ابنته فألغى زواجها، وفقاً لرغبة الناصر.
وأصدر الناصر أوامره إلى قادة الأسطول
وعمال السواحل بتحامى أعماله ومسالمة أهل بلاده.
ودعا حسداى أمراء الثغر
الفرنجى إلى طاعة الناصر، فأجابه منهم، إلى جانب شنير، إنجه صاحب جيرنده، وبعث إلى قرطبة سفارة يطلب تأمين تجار أراضيه الذين يجوبون ربوع الأندلس، فأجيب إلى طلبه، وصدرت الأوامر إلى جميع عمال الجزائر الشرقية والمراسى
الساحلية، بتأمين سائر رعايا إنجه على أنفسهم وأموالهم [١] .
ولم يحترم ملك ليون عهد السلم طويلا، وعادت بعوثه تعيث في الأراضي
الإسلامية.
ومن ثم فإن غزوات المسلمين لإسبانيا النصرانية لم تنقطع في الأعوام
التالية.
ففى سنة ٣٢٩ هـ (٩٤١ م) غزا المسلمون أراضي ليون وعاثوا فيها؛
وفى سنة ٣٣٥ هـ (٩٤٦ م) عنى الناصر بتجديد مدينة سالم [٢] وهى أقصى مدن
الأندلس الشمالية الغربية على حدود ليون، وحصنها وشحنها بالرجال والعدد،
[١] المقتبس - السفر الخامس - لوحات ١٧٣ - ١٧٥.
[٢] هى بالإسبانية Medinaceli وترجع تسميتها بذلك الإسم إلى أنها كانت منزل بني سالم، وهم بطن من بطون قبيلة مصمودة البربرية (راجع جمهرة أنساب العرب لابن حزم - القاهرة -
ص ٤٦١) .