دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٢٤١
وعبدون عامل الثغر الأعلى، في قواتهما، ونشبت بين المسلمين والفرنج عدة
وقائع انتهت بهزيمة الفرنج وإنقاذ طرطوشة، وذلك في سنة ١٩٣هـ (٨٠٩ م) .
وعمد نصارى الشمال كعادتهم إلى انتهاز كل فرصة سانحة للإغارة على أراضي
المسلمين، وشجعهم انشغال حكومة قرطبة بقمع الثورات المختلفة، وكان ملك
جليقية يومئذ ألفونسو الثاني، الملقب بالعفيف، أميراً شديد التعصب لدينه
ووطنه، وكانت حملاته المتوالية إلى أراضي المسلمين يطبعها لون دينى عميق، وعبر
ألفونسو نهر دويرة (دورو) إلى أراضي المسلمين غير مرة، وعاث فيها قتلا ونهباً
وسبياً، وكانت حملاته تتجه بالأخص إلى أطراف الثغر الأدنى، والى المنطقة الواقعة
بين نهرى دويرة والتَّاجُه، لبعدها عن حكومة قرطبة، وضعف وسائل الدفاع
فيها، وتوغل ألفونسو في حملاته حتى قُلُمْرية (قلنبرية) وأشبونة، وعانى
المسلمون في تلك الأنحاء كثيراً من جراء غزوات النصارى، وترامت إلى الحكم
آلامهم واستغاثتهم، ورفع إليه شاعره عباس بن ناصح الجزيرى قصيدة يصف
فيها آلام أهل الثغر ومصائبهم.
ففى صيف سنة ١٩٤هـ (٨١٠ م) [١] ، سار
الحكم غازياً بنفسه إلى أراضي ألبة والقلاع، وتوغل فيها مما يلى وادي الحجارة
غرباً، وأثخن في تلك الأنحاء، وهزم النصارى في عدة وقائع، وقتل وسبى منهم
جموعا كثيرة، واطمأنت نفوس المسلمين في الثغر بزجر النصارى وردهم إلى
داخل أراضيهم.
وسير الحكم في العام التالى جيشاً إلى الثغر الأعلى بقيادة عمه عبد الله البلنسى، فغزا قطلونية، وهاجم مدينة برشلونة، وهزم الفرنج، ولكنه لم يحرز فتوحا
ثابتة.
وشعر الفرنج، كما شعر المسلمون بعقم هذه الحملات المخربة، وآثر
الفريقان التفاهم والمهادنة، ويقول لنا ابن حيان إنه كان ثمة باعث آخر على التعجيل
بعقد السلم بين العاهلين، هو استفحال أمر إدريس بن إدريس بن عبد الله الحسنى
بأرض العدوة (المغرب) ، وتقاطر الوفود من إفريقية والأندلس إلى بيعته، ْوتوجس الحكم من مصاير هذه الحركة الجديدة بالمغرب [٢] .
وهكذا عقد
[١] هذه رواية صاحب البيان المغرب (ج ٢ ص ٧٥) ويضع ابن الأثير تاريخ هذه
الغزوة في سنة ١٩٦هـ.
[٢] مخطوط ابن حيان المشار إليه ص ١٠٠.
ويسمى ابن حيان هنا ملك الفرنج باسمه
الصحيح " قارله بن ببين ".
وراجع الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى ج ١ ص ٧١ و٧٢.