دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ١٦٦
وأنصاره.
وكان على رأس الثورة في إشبيلية زعيمها القديم حيوة بن ملامس
الحضرمى، وفي باجة عبد الغافر اليحصبي، وفي لبلة عمر بن طالوت، وهما من أبناء
عمومة أبي الصباح، وانضم إليهم كثير من البربر، فحشد الثلائة جموعهم واعتزموا
السير إلى قرطبة في غيبة عبد الرحمن، وكان قد استخلف عليها مولاه بدرا [١] .
فعاد عبد الرحمن إلى قرطبة مسرعاً، ثم غادرها تواً إلى لقاء الثوار، فالتقى بهم فى
وادي منبس على نهر "بمبيزار" أحد فروع الوادي الكبير، ونشبت بين الفريقين
في المبدأ عدة معارك محلية.
ثم لجأ عبد الرحمن إلى الحيلة والخديعة، فعهد إلى جماعة
من وجهاء البربر من جنده، أن يتصلوا بزملائهم البربر من جند العدو، وأن
يقنعوهم بخطأ تصرفهم في نصرة اليمنية، وأنه إذا تغلب عليه العرب، كانت
العاقبة وبالا عليهم أيضاً، فانسل الرسل إلى معسكر العدو تحت جنح الظلام، وخاطبوا أبناء جنسهم بما تقدم، وأخذوا عليهم العهود والمواثيق.
وفى اليوم
التالى نشبت بين الفريقين موقعة عامة.
فنكث البربر وتقاعدوا عن القتال، فهزم
الثوار شر هزيمة، وكثر القتل في جموعهم حتى قتل منهم زهاء ثلاثين ألفا [٢] .
وهلك معظم الزعماء الثائرين، وفر عبد الغافر وركب البحر إلى المشرق، وقرن
عبد الرحمن ظفره باجراء دموى آخر، إذ قبض على ثلاثين من وجهاء إشبيلية
ممن كانوا في جيشه وأمر بهم فأعدموا (سنة ١٥٧ - ١٥٨ هـ) .
وفى العام التالى عاد عبد الرحمن إلى مطاردة الفاطمى، فالتجأ الثائر إلى الجبال
كعادته، ولم يجد عبد الرحمن سبيلا إلى اللحاق به، فغزا قورية وأثخن في تلك
الأنحاء، وكان أمر الفاطمى قد ضعف خلال هذه الأعوام وتضاءل جمعه، ولكنه لبث يسيطر على شنت برية وماردة، ولبثت دعوته خطرا يهدد سلام
الأندلس.
فوجه عبد الرحمن لقتاله في العام التالى حملة قوية أخرى بقيادة تمام
ابن علقمة وعبيد الله بن عثمان، فلقيهما الفاطمي ووقعت بينهما معارك شديدة، رجحت فيها كفته، ثم التجأ إلى حصن شبطران بقرب شنت برية، فحاصره تمام
وعبيد الله مدى أشهر، ولم يظفروا منه بطائل، فعادا إلى قرطبة، وخرج الفاطمى
عل أثر عودهما إلى شنت برية، ونزل بقرية من أعمالها تسمى قرية العيون،
[١] ويقول ابن الأثير إنه كان يستخلف عليها ولده سليمان (ج ٦ ص ٣) .
[٢] ابن القوطية ص ٣١ و٣٢.