دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ١٩٤
وأول من تلقاه وآواه يوم مقدمه، فإنه جعله كبير دولته، فلما توطد أمره جرده
من نفوذه، ولما وقعت المؤامرة التي دبرها بعض الوافدين من بني أمية، واتهم
أبو عثمان بالاشتراك في تدبيرها استراب به، ولم ينقذه من بطشه إلا عظم صنيعه
لديه.
ولما ثار ابن أخت أبي عثمان في بعض حصون إلبيرة، لم يتردد عبد الرحمن
في قتله حين ظفر به.
وكذا تغير عبد الرحمن على عبد الله بن خالد، صهر أبي عثمان
وزميله في مؤازرة عبد الرحمن ونصرته، وكان من وزرائه، ثم اعتزل
المنصب، وتوارى لما رأى من غدر عبد الرحمن بزعيم اليمنية أبي الصباح، وكان
أبو الصباح هو الذى جمع كلمة اليمنية في إشبيلية حول عبد الرحمن وقاتل معه بصحبه، ثم انحرف عنه لأمور نقمها منه، فاستدرجه عبد الرحمن إلى قرطبة وفتك به فى
نفس مجلسه بالقصر، ناكثا لعهوده كما قدمنا [١] .
بل لم يحجم عبد الرحمن عن
الفتك بذويه وخاصة أسرته، حينما نمى إليه أنهم يأتمرون به، فقتل ابنى أخيه
عبيد الله بن أبان والمغيرة بن الوليد، وابن عمه عبد السلام اليزيدى حسبما فصلنا.
والخلاصة أن عبد الرحمن كان يلجأ في تحقيق غاياته إلى أروع الأساليب
والوسائل، وكان طاغية مسرفاً في البطش والسفك، مكيافيلليا [٢] بكل معانى
الكلمة.
ولكن تلك الخلال المثيرة التي كان يحفزها ويذكيها الخطر الداهم، كانت
عنوان قوته ووسيلة ظفره.
يقول دوزى: " لقد دفع عبد الرحمن ثمن ظفره
غاليا، ذلك الطاغية الغادر الصارم المنتقم، الذي لا تأخذه رأفة.
ولم يبق زعيم
عربى أو بربرى، يجرؤ على مواجهته صراحة، ولكن الجميع كانوا يلعنونه
خفية.
ولم يك ثمة رجل يرغب في خدمته ".
ثم يقول: " كان هم عبد الرحمن
الدائم أن يذل العرب والبربر إلى الطاعة، وأن يرغمهم على التعود على النظام
والسلام، وقد لجأ في تحقيق هذه الغاية إلى جميع الوسائل، التي لجأ إليها ملوك
القرن الخامس عشر لسحق الإقطاع.
بيد أنه كان مصيرا محزنا ذلك الذى دفع
القدر إليه اسبانيا، وكانت مهمة محزنة تلك التي كان على خلفاء عبد الرحمن أن
يضطلعوا بها.
ذلك أن الطريق الذى رسمه لهم مؤسس الأسرة، كان طريق الطغيان
يؤيده السيف.
ولكن من الحق أن نقول إن ملكاً لا يستطيع أن يحكم العرب والبربر
[١] نفح الطيب ج ٢ ص ٦٧ و٧١.
[٢] نسبة إلى مكيافيللى صاحب المذهب السياسى المشهور، وخلاصته أن للأمير أن يتذرع
في تحقيق الغاية بأى الوسائل، ومنها الغدر والخيانة والسفك وكل ما إليها.