دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٣٧٨
وطاعتهم، فسمح للكثير منهم بالانتقال إلى قرطبة مع الأهل والولد، وأجرى
عليهم الأرزاق والأعطية، وأبدى بالأخص نحو النصارى الذين أذعنوا إلى
الطاعة منتهى الكرم والتسامح [١] .
وفى سنة ٣٠٢ هـ (٩١٥ م) ، وقع حادث سعيد في البلاط القرطبى، هو مولد ولى العهد الحكم بن عبد الرحمن الناصر.
وقد اختلف في تاريخ مولده، فيقول الرازى إنه وقع يوم الجمعة غرة رجب من هذه السنة.
ويقول محمد
ابن مسعود إنه وقع في يوم الجمعة ٢٤ من جمادى الأولى، وأمه مرجان الرومية، أم الولد الأثيرة، وقد سر عبد الرحمن بولادته أيما سرور، ونوه بها، وأوسع
الإنعام، وتقدمت طبقات الناس إليه بالتهنئة.
وأنشد الشعراء تهانيهم، فمن ذلك
قول الفقيه أحمد بن محمد بن عبد ربه:
هلال نماه البدر واختاره الفجر..
.
تلقت به شمس وأنجمه زهر
على وجهه سيما المكارم والعلى..
.
فضاءت به الآمال وابتهج الشعر
سلالة أفراس وبيت خلايف..
.
أكفهم بحر ونايلهم غمر
بدا لصلاة الظهر نجم مكارم..
.
تحف به العليا ويكنفه الفخر
ثماه إلى العليا خير خليفة..
.
تتيه به الدنيا ويزهى به العصر [٢]
وفى أواخر سنة ٣٠٢ هـ (٩١٥ م) حل بالأندلس قحط شديد، فعزت
الأقوات وارتفعت الأسعار، وأمر عبد الرحمن وزيره أحمد بن محمد بن زياد
بالبروز بالناس للاستسقاء، فبرز بهم يوم الإثنين ١٣ شوال (أول مايو) فنزل
فيه رذاذ مملح وندى مبلل لم يكن له كبير أثر [٣] ، وعمت المحنة سائر القواعد
والثغور، واستمرت خلال العام التالى (سنة ٣٠٣ هـ) ، وبلغت الشدة بالناس
مبلغاً عظيماً، وانتشر الوباء مع القحط، وكثر الموت، وهلك كثير من الرؤساء
والوجهاء، وكانت محنة قاسية شديدة الوطأة.
ولم يدخر عبد الرحمن خلال
تلك الآونة العصيبة، وسعاً في بذل المعونة والغوث لشعبه بتوزيع المؤن
والصدقات الوفيرة.
وحذا حذوه كثير من الكبراء وأهل الدولة، فكان
[١] ابن حيان في السفر الخامس (مخطوط الخزانة الملكية بالرباط) لوحة ٣٢ أ، و Dozy: Hist.
; Vol.
II.
p.
١٠٣
[٢] ابن حيان في السفر الخامس (مخطوط الخزانة الملكية) لوحة ٥٣.
[٣] ابن حيان في السفر الخامس (مخطوط الخزانة الملكية) لوحة ٥٣.