دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٤٥٣
ربيع الأول من السنة المذكورة، خرج الامير من قصر الزهراء إلى قصر قرطبة
لاستقبالهم، وجلس في بهو المجلس الزاهر، وكان يوماً مشهوداً من أيام الأندلس.
فركبت الجند بالسلاح في أكمل شكل، وزين القصر الخلافى بأنواع الزينة
وأصناف الستور، وحفل السرير الخلافى بمقاعد الأبناء والإخوة والأعمام
والقرابة، وجلس عن يمين الخليفة ولده وولى عهده الحكم، وجلس باقى أولاده
يميناً وشمالا، ورتب الوزراء في مراتبهم، وغص المجلس برجال الدولة والقادة
والعظماء والزعماء من كل ضرب.
ودخل سفراء ملك الروم، فبهرهم ما رأوا
من روعة الملك وفخامة السلطان، وقدموا الهدايا التي يحملونها.
وذكر لنا
الطبيب الأندلسي أبو داود سليمان بن حسان المعروف " بابن جُلجل " الذى عاش
في عصر هشام المؤيد حفيد الناصر، أنه كان في مقدمة هدايا أرمانيوس ملك
الروم إلى الناصر سفران جليلان من كتب الأقدمين، أحدهما نسخة مصورة
أبدع تصوير من كتاب ديسقوريدس [١] عن الحشائش، مكتوبة بلغة مؤلفها أى
باليونانية؛ والثاني نسخة من تاريخ أورسيوس (هروسيس) [٢] مكتوبة باللانينية، وهو المتضمن لتاريخ العالم القديم، وأقاصيص الملوك السابقين [٣] .
وقدم الرسل
كتاب القيصر قسطنطنين السابع، وقد كتب في ورق ذى لون سماوى باللغة
اليونانية، وداخل الكتاب مدرجة مصبوغة ومكتوبة بنفس اللغة، فيها وصف
لهدايا الإمبراطور، وعلى الكتاب طابع ذهبى، على إحدى وجهيه صورة
للمسيح، وعلى الوجه الآخر صورة الإمبراطور قسطنطين، مصنوعة من الزجاج
الملون البديع.
وكان في ترجمة عنوان الكتاب في سطر منه: " قسطنطين ورومانين
[١] ديسقوريدس Dioscorides طبيب وكيمائى يونانى.
أصله من كليكية بآسيا الصغرى.
وقد عاش في القرن الأول للميلاد، واشتهر بكتابه عن مركبات الأدوية.
وهو ما يزال يعتبر ذا قيمة
علمية حتى عصرنا، وكان يعتبر حتى القرن السابع عشر أثمن مرشد لخواص الأعشاب الطبية.
[٢] باولوس أورسيوس Paulus Orosius حبر ومؤرخ إسبانى (قوطى) عاش في القرن
الخامس الميلادى ووضع باللاتينية تاريخاً للخليقة في عصره.
وقد اشتهر تاريخه بالرغم من ركاكته
ركثرة خرافاته، وانتفع به كثير من المؤرخين اللاحقين.
وعرفه المؤرخون المسلمون ونقلوا عنه.
وأشار إليه ابن خلدون في مواضع عديدة من تاريخه، وتعرفه الرواية الإسلامية بهروسيس أو هرشيوش.
[٣] راجع رواية ابن جلجل مفصلة في كتاب طبقات الأطباء، في ترجمة ابن جلجل (ج ٢
ص ٤٤٧) .