دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٥٦١
ولم يستطع أحد أن يقف في سبيله، ووصل إلى شاطىء المحيط على مقربة من بلدة
كرونية (قرجيطة) .
ثم انحدر جنوباً حتى وصل إلى أراضي الزعماء النصارى
(القوامس) الموالين له، والذين صحبوه في غزوته، فأمر بالكف عنها، وتابع
سيره حتى وصل إلى مدينة لاميجو في شمال البرتغال الحديثة (وتسميها الرواية
الإسلامية لميقة) ، وهنالك وزع الهدايا والكسى الفاخرة على الزعماء النصارى، وصرفهم إلى بلادهم، وكتب بالفتح إلى دار الخلافة، ثم عبر نهر دويرة على
النحو الذى تقدم وصفه، وقفل راجعاً إلى قرطبة، وفي ركبه عدد كبير من
الأسرى، ومقادير عظيمة من الغنائم.
وكانت غزوة عظيمة، استبشر بها
المسلمون، وقرت نفوسهم، واهتزت لها اسبانيا النصرانية من أقصاها إلى
أقصاها، ولبث أثرها العميق أعواماً بعيدة، وكانت غزوة المنصور الثامنة
والأربعون.
ونظم ابن دارج القسطلى في تهنئة المنصور بغزوة " شنتياقُه " (شنت ياقب)
قصيدة طويلة هذا مطلعها:
اليوم أنكص إبليسٌ على عقبه..
.
مُبرّءاً سبَبُ الغاوين من سببه
واستيقنت شيع الكفار حيث نأت..
.
في الشرق والغرب أن الشرك من كذبه
بشنتياقة لما أن دلفْتَ له..
.
بالبيض كالبدر يسرى في سنا شهبه
وجلة الدين والإسلام عاطفة..
.
عليك كالفَلَك الجارى على قُطُبه [١]
وعلى أثر غزوة شنت ياقب اضطر برمودو ملك ليون، بعد الذى أصاب
بلاده من الهزائم والمحن، أن يسعى إلى طلب الصلح، فبعث ولده بلايو صحبة
معن بن عبد العزيز حاكم سمّورة المسلم، إلى قرطبة طالباً عقد الصلح، فأجابه
المنصور إلى ما طلب، وانصرف راجعاً إلى أبيه [٢] .
ولم يعش برمودو طويلا
بعد ذلك، فتوفى سنة ٩٩٩ م، وخلفه في الملك ولده الطفل ألفونسو الخامس، تحت وصاية أحد الأشراف، ولزم مكانه في قاصية جلّيقية.
وقام المنصور بعد ذلك بعدة غزوات أخرى في أراضي النصارى، بيد أننا
لا نظفر في شأنها بتفاصيل دقيقة واضحة.
والظاهر من إشارة أوردها صاحب
[١] وردت هذه القصيدة في ديوان ابن دراج المتقدم ذكره (ص ٤٤٠ - ٤٤٣) .
ويلاحظ أنه قد ورد بها اسم " شنت ياقب "، " شنتياقة " وهو أقرب إلى اسمه الإسباني Santiago
[٢] ابن خلدون ج ٤ ص ١٨١.