دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٢٣٥
(١٧٠ - ١٩٣هـ) .
والواقع أن في اتحاد المصلحة والغاية بين الخليفة العباسى
وعاهل الفرنج، ما يسبغ على هذا الفرض تأييداً.
ولما كانت السياسة الفرنجية ترمى قبل كل شىء إلى تأمين غاليس (جنوب
فرنسا) من خطر الغزو الإسلامى، فقد رأت أن تنشىء في قاصية اسبانيا الشمالية
الشرقية مما يلى جبال البرنيه، ولاية فرنجية جديدة تكون سدا بين الغزاة وبين
مملكة الفرنج، وأنشئت هذه الولاية التي سميت " بالثغر القوطى " أو الثغر الإسبانى
في البداية، من مدن جيرونة (جيرندة) وأوزونة وسولسونة، وما حولها
مما اقتطعه الفرنج من أراضي اسبانيا المسلمة، التي كانت تابعة لرباط الثغر
الإسلامى القديم.
ولما عاد الاضطراب إلى الثغر الأعلى، وشغلت حكومة قرطبة
بأمر الثورات الداخلية المتوالية، ألفى الفرنج الفرصة سانحة لدفع غزواتهم نحو
الجنوب، وكان شارلمان يطمح بالأخص إلى افتتاح ثغر برشلونة المنيع ليكون
معقلا لحماية أملاكه الجنوبية، وحلقة اتصال بحرى سهل بينها وبين فرنسا.
وعمد
شارلمان قبل البدء في تنفيذ مشروعه إلى عقد محالفة بينه وبين أمير جليقية ألفونسو
الثاني (سنة ٧٩٨ م) ، لكى يكتسب ولاء البشكنس ومعاونتهم.
وفى سنة ٨٠١ م
(١٨٥ هـ) سير شارلمان إلى اسبانيا جيشاً ضخماً لافتتاح برشلونة بقيادة ولده
لويس أمير أكوتين، وانقسم هذا الجيش إلى قسمين، سار أحدهما بقيادة حاكم
جيرونة لمحاصرة برشلونة، وسار الآخر بقيادة جيوم كونت دى تولوز ليرابط
جنوب غربى برشلونة بين لاردة وطركونة، ليحول دون وصول أى مدد إلى
المدينة المحصورة.
وكان الحكم يشغل يومئذ بمطاردة الخوارج عليه وفي مقدمتهم
عمه عبد الله، وكان والى برشلونة، سعدون الرعينى، في مأزق حرج، يتطلع
عبثاً إلى قدوم المدد، وهو في ثغره القاصى بعيداً عن كل عون ومساعدة، ولم
يكن له ما يؤمل من معاونة زملائه ولاة الثغر الأعلى، ومعظمهم يضمر الخروج
على حكومة قرطبة، ويرى في اضطراب الأمور ملاذاً.
ومع ذلك فقد صمدت
برشلونة، وصمم واليها الشجاع على المقاومة، ولبثت حيناً تعانى أمر ضروب
الحرمان والجوع، دون أن يأتيها المدد المنشود.
ثم تفاقم الأمر وجاء جيش
جديد من الفرنج بقيادة لويس ليشدد الحصار على المدينة، فرأى سعدون الرعينى
أن يحاول التماس المدد بنفسه من قرطبة، وغادر برشلونة تحت جنح الظلام،