دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٤٤١
هناك الحمام الزرق تندى خفافها..
.
ظلال عهدت الدهر فيها فتى سمحا
تعوضت من شدو القيان خلالها..
.
صدى فلوات قد أطار الكرى صبحا [١]
ونقل إلينا الشيخ محيى الدين بن عربى [٢] أبياتاً، قال إنه قرأها على بعض
جدران الزهراء بعد خرابها، رثاء في المدينة الشهيرة وهى:
ديار بأكناف الملاعب تلمع..
.
وما إن بها من ساكن وهى بلقع
ينوح عليها الطير من كل جانب..
.
فيصمت أحياناً وحيناً يرجع
فخاطبت منها طائراً متغرداً..
.
له شجن في القلب وهو مروع
فقلت على ماذا تنوح وتشتكى..
.
فقال على دهر مضى ليس يرجع
ويرثى الفتح بن خاقان معاهد الزهراء خلال رواية نقلها عن جولة لبعض
الكبراء في تلك الأطلال: " وآثار الديار قد أشرفت عليهم كثكالى ينحن على
خرابها، وانقراض أطرابها، والوهى بمشيدها لاعب، وعلى كل جدار غراب
ناعب، وقد محت الحوادث ضياءها، وقلصت ظلالها وأفياءها، وطالما أشرقت
بالخلائف وابتهجت، وفاحت من شذاهم وأرجت، أيام نزلوا خلالها، وتفيأوا
ظلالها، وعمروا حدائقها وجناتها، ونبهوا الآمال من سناتها، وراعوا الليوث
في آجامها، وأخجلوا الغيوث عند انسجامها، فأضحت ولها بالتداعى تلفع
واعتجار، ولم يبق من آثارها إلا نؤى وأحجار، وقد هوت قبابها، وهرم
شبابها، وقد يلين الحديد، ويبلى على طيه الجديد..
.
" [٣] .
وكانت أطلال الزهراء ما تزال قائمة حتى القرن السابع الهجرى (القرن الثالث
عشر) .
وقد ذكرها الشريف الإدريسى في معجمه الجغرافى الذى وضعه فى
منتصف القرن السادس الهجرى (منتصف القرن الثاني عشر) ، وذكر أن بينها وبين
قرطبة خمسة أميال [٤] ؛ وذكرها أيضاً ياقوت الحموى في معجمه الجغرافى الذى
[١] راجع قصيدة ابن زيدون برمتها في ترجمته في " قلائد العقيان " للفتح بن خاقان ص ٧٢.
[٢] هو من أكابر متصوفة الأندلس وعلمائها في أواخر القرن السادس وأوائل القرن السابع
الهجرى، وقد نقل إلينا هذه الرواية والأبيات في كتابه الشهير " محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار ".
[٣] راجع قلائد العقيان في ترجمة المعتمد بن عباد ص ١٠.
[٤] راجع نزهة المشتاق (المختصر) طبع رومة - ص ١٩٣.