دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٦٣٤
وبضعة أشهر، وآلت الخلافة في تلك الليلة إلى محمد بن هشام بن عبد الجبار
ابن عبد الرحمن الناصر، وتلقب بالمهدى.
وكان ذلك صبيحة يوم الأربعاء ١٧
جمادى الآخرة سنة ٣٩٩ هـ (١٦ فبراير سنة ١٠٠٩ م) .
وهرعت الجموع من سائر أنحاء قرطبة إلى محمد بن هشام، ملتفة حوله، مؤيدة لبيعته، واعتبروه بطلا منقذاً، إذ كان أول من استطاع أن يثور في وجه
بنى عامر، وأن يعمل لإزالة ملكهم، وشعروا أن كابوس الإرهاب العامرى
قد تقلص، وأن عهداً جديداً سوف يبدأ، ولم يخطر ببالهم قط، أن هذا التحول
كان نذير المحنة الغامرة، التي سوف تطيح بكل ما نعموا به في ظل الدولة العامرية
من السكينة والأمن والرخاء.
وفى الوقت نفسه كانت مدينة الزاهرة، معقل بني عامر، عرضة لهجوم
مماثل.
وكان القائمون على أمرها قد نمى إليهم ما وقع بقرطبة، وبادر محافظ
الزاهرة عبد الله بن مسلمة إلى ضبط أسوارها وأبوابها، وحشد ما لديه من
الجند، فبلغوا سبعمائة، وتأهب للدفاع وبعث محمد بن هشام إلى الزاهرة
جمهوراً غفيراً من العامة مع طائفة من أصحابه.
فأحاطوا بها وحاولوا اقتحامها، ولكن نظيفاً الخادم، ونصراً المظفرى، وهما من الفتيان العامريين، استطاعوا فى
قوة من الغلمان إجلاء العامة عن الأسوار، ثم دخل الليل فحال بين الفريقين.
وفى صباح اليوم التالى، ١٨ جمادى الأولى، ندب محمد بن هشام أو الخليفة
المهدى، ابن عمه عبد الجبار بن المغيرة لمهاجمة الزاهرة، فسار إليها على رأس قوة
كبيرة من العامة، الذين أقبلوا على التطوع فرساناً ومشاة، ووزعت عليهم
الأسلحة، وأمامهم رأس عبد الله بن أبي عامر مرفوعاً فوق رمح، وهاجموا قصر
عبد الملك المظفر، وكان خارج الأسوار، وكان فيه أهله وأمه الذلفاء، فنهبوه
وتخاطفوا متاعه وذخائره، وذلك بالرغم من أن الذلفاء هى التي أمدت محمداً بن
هشام بعونها ومالها.
فلما شعر أهل الزاهرة، بأنه من العبث مقاومة هذه الجموع
الهائلة، عرضوا التسليم على أن يصدر لهم المهدى الأمان، فبعث إليهم المهدى
الأمان المنشود مكتوباً بخطه، وكان ذلك وقت الظهر، ففتحوا أبواب المدينة
وسلموها، ودخل عبد الجبار لفوره قصر الزاهرة، واقتحمته الجموع، ونهبت منه من المتاع والنفائس ما لا يقدر ولا يوصف، واستأثر عبد الجبار