دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٦٤٩
من أهل قرطبة، وأعطى الفرنج أعطياتهم، وحشد كل ما استطاع من قواته، وخرج لمطاردة البربر.
وكان البربر قد وصلوا عندئذ إلى " وادي آره " أو وادي
يارو [١] .
على مقربة من مربلة في طريقهم إلى الجزيرة الخضراء.
وكان جيش
المهدى يتكون من نحو ثلاثين ألف من المسلمين، وتسعة آلاف من الفرنج.
وهناك التقى الجمعان، واشتبكا في معركة طاحنة، دارت فيها الهزيمة على
المهدى وحلفائه، وقتل من الفرنج نحو ثلاثة آلاف، وغرق منهم عدد جم، واستولى البربر على كثير من أسلحتهم وخيلهم ومتاعهم [٢] ، ووقعت هذه
الموقعة، في شهر ذى القعدة سنة ٤٠٠ هـ (يونيه ١٠١٠ م) ، وعلى أثرها ارتد
المهدى إلى قرطبة، وهنالك غادره حلفاؤه النصارى عائدين إلى بلادهم.
وسار البربر جنوباً إلى ناحية ريُّه، وهنالك لحق بهم سليمان المستعين بمن معه.
وأخذ الفريقان يدبران معاً استئناف الصراع للاستيلاء على قرطبة.
وعكف المهدى على تحصين قرطبة، وحفر حولها خندقاً، أقيم وراءه سور، وأخذ يستعد للدفاع، ويحشد الجند توقعاً لمعاودة البربر الكرة.
وكانت جموع
من البربر في أثناء ذلك تغير على نواحى قرطبة من آن لآخر.
وفى أثناء ذلك
كان واضح قد ضاق ذرعاً بتصرفات المهدى وحماقاته، وسوء خلقه من عكوف
على الشراب والمجون.
وكان الفتيان العامريون وفي مقدمتهم واضح جميعاً ينقمون
على المهدى ما فعله بهشام المؤيد، وبنى عامر، وكان قد وصل إلى قرطبة جملة
منهم من شاطبة، وفيهم بعض الفتيان البارزين مثل خيران وعنبر، فاتمروا على
الغدر بالمهدى، وأخرجوا هشاماً من محبسه بالقصر، وأجلسوه للخلافة ونادوا
بولايته، وأتوا بالمهدى بين يديه، فضرب عنقه، واحتز رأسه، وألقى بجسده
من أعلى السطح، ورفعوا رأسه على قناة طيف بها في الشوارع، ووقعت هذه
الجريمة في الثامن من ذى الحجة سنة ٤٠٠ هـ (٢٣ يوليه ١٠١٠ م) [٣] .
وهكذا استرد هشام المؤيد الخلافة، بعد سلسلة من الخطوب والأحداث
المثيرة، وكان يومئذ كهلا في نحو السابعة والأربعين من عمره، وكان قد مضى
[١] وبالإسبانية Guadiaro
[٢] البيان المغرب ج ٣ ص ٩٦؛ وأعمال الأعلام ص ١١٣.
[٣] ابن خلدون ج ٤ ص ١٥٠؛ وابن الأثير ج ٨ ص ٢٢٦؛ والذخيرة القسم الأول، المجلد الأول ص ٣٢؛ والبيان المغرب ج ٣ ص ٩٦ و٩٩ و١٠٠.