دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٨٤
أعراض الثورة التي بدأت في الولايات الجبلية، وليستأنف الغزو؛ فعبر البرنيه، واخترق سبتمانيا إلى وادي الرون وغزا ليون (لوذون) وماسون [١] وشالون الواقعة
على نهر الساؤون، واستولى على أوتون وبون، وعاث في أراضي برجونية
الجنوبية.
ولكن هذا الفتح الكبير لم يكن ثابت الأثر، فقد أدى اختلاف القبائل
وتمرد البربر إلى تفكك الجيش الفاتح، وإلى تخلف المدن المفتوحة عن قبضة الفاتحين.
فعاد الهيثم إلى الجنوب، ولم يلبث أن توفى بعد أن حكم الأندلس مدى عامين، فاختارت " الجماعة " مكانه محمد بن عبد الله الأشجعى حتى يعين الوالى الجديد [٢] ، فلبث في منصبه شهرين، حتى عين عبد الرحمن بن عبد الله الغافقى واليا للأندلس، عيمنه عبيدة بن عبد الرحمن السلمى والى إفريقية بمصادقة الخليفة هشام بن عبد الملك
في صفر سنة ١١٣هـ (إبريل سنة ٧٣١) [١] فكانت ولايته الثانية.
وكانت ولايته
الأولى سنة ١٠٣هـ على أثر كل مقتل السمح كما قدمنا.
وكان عبد الرحمن جندياً عظيماً
ظهرت كل مواهبه الحربية في غزوات غاليا، وحاكماً قديراً بارعاً في شؤون الحكم
والإدارة، ومصلحاً كبيراً يضطرم رغبة في الإصلاح، بل كان بلا ريب أعظم
ولاة الأندلس وأقدرهم جميعاً.
ووتجمع الرواية الإٍلامية على تقديره والتنويه برفيع
خلاله، والإشادة بعدله وحلمه وتقواه [٤] .
فرحبت الأندلس قاطبة بتعيينه
[١] لعل ماسون هى التي يسميها ابن عذارى منوسه (راجع البيان المغرب ج ٢ ص ٢٧) .
[٢] يقدم كوندى رواية أخرى عن مصير الهيثم، فيقول إن أمر عسفه وجوره نمى إلى الخليفة
هشام بن عبد الملك، فانتدب محمد بن عبد الله الأشجعى للتحقيق معه.
فلما تحقق صحة التهم المنسوبة إليه
عزله وسجنه وصادر أمواله، وأطلق الذين اعتقلهم ظلما.
ويقول كوندى أيضا إن الأشجعى هو الذى
اختار عبد الرحمن الغافقى لولاية الأندلس، لما تحقق من شجاعته وحزمه بتفويض لديه من الخليفة Conde.
ibid.
V.
I.
p.
٨١.
ويأخذ دوزى بهذه الرواية (Hist.
V.
I.
p.
١٣٧) .
وكوندى يستقى روايته من بعض
المصادر العربية الإسبانية، ولكنه لا يعين هذه المصادر.
على أن المصادر العربية التي أمامنا تجمع
على أن ولاية الهيثم اختتمت بوفاته، وأن الأشجعى خلفه باختيار الجماعة (البيان المغرب ج ٢ ص ٢٧، ونفح الطيب ج ٢ ص ٥٨ عن ابن بشكوال، وابن خلدون ج ٤ ص ١١٩) .
(٣) تختلف الرواية الاسلامية في تارخ ولاية عبد الرحمن، فيقول الضبى إن تعيينه كان فى
ْحدود سنة ١١٠هـ (بغية الملتمس رقم ١٠٢١) ، وكذا ابن بشكوال (نفح الطيب ج ٢ ص ٥٦) .
ويقول ابن عذارى إنه كان في صفر سنة ١١٢ (ج ٢ ص ٢٨) ، وابن حيان إنه كان في صفر
سنة ١١٣ (نفح ج ٢ ص ٥٦) .
وهى أرجح رواية فيما نعتقد وبها أخذنا لاتفاقها مع سير
تواريخ الولاة المتقدمين.
[٤] راجع ابن عبد الحكم ص ٢١٦، ٢١٧ وبغية الملتمس رقم ١٠٢١، والحميدى فى
جذوة المقتبس ص ٦ و٢٥٥.