دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٨٣
وتوالى على الأندلس مدى الأعوام الخمسة التي تلت وفاة عنبسة، ستة ولاة
أولهم عزرة بن عبد الله الفهرى [١] ، الذى تولى قيادة الجيش عقب وفاة عنبسة، فلبث في منصبه شهرين فقط.
ثم يحي بن سلمة الكلبي، ولاه بشر بن صفوان عامل
إفريقية، فقدم الأندلس في شوال سنة ١٠٧، وامتد حكمه عامين ونصف لم تقع
فيهما حوادث أو غزوات تذكر.
ثم توفى بشر بن صفوان، وخلفه في ولاية
إفريقية عبيدة بن عبد الرحمن السلمى، فولى على الأندلس عثمان بن أبي نسعة
الخثعمى، فقدمها في شعبان سنة ١١٠، ولبث في منصبه ستة أشهر فقط ثم عزل، وخلفه حذيفة بن الأحوص القيسى فلم تطل ولايته سوى أشهر أيضا، فخلفه الهيثم
ابن عبيد الكلابى أو الكنانى، ولاه أيضا عبيدة السلمى عامل إفريقية، فقدم الأندلس
في المحرم سنة ١١١ هـ.
وكان تتابع الولاة على هذا النحو سببا في تفاقم الخلل
والاضطراب في شؤون الجزيرة، وتفاقم الخلاف بين الزعماء والقبائل.
وكان
تخلف المسلمين عن الغزو من جهة أخرى مشجعا للفرنج على مهاجمة القواعد
الشمالية، مشجعة للخوارج من القوط والبشكنس على تنظيم قواتهم.
وكان أخطر
أولئك الخوارج شراذم القوط التي لجأت كما أسلفنا إلى قاصية جليقية، واجتمعت
هناك حول زعيم يدعى بلايو أو بلاى، ولم يعن الولاة بتتبعها والقضاء عليها، إما احتقاراً لشأنها أو لوعورة الجبال التي امتنعت بها، ففى أثناء اضطراب الشؤون
وانشغال الولاة، كانت هذه الشراذم تنمو وتشتد داخل هضابها النائية، وكانت
هى نواة هذه المملكة النصرانية القوية التي نشأت سراعاً، واشتد ساعدها، حتى
غدت قبل قرن تنافس الإسلام وتنازعه سيادة اسبانيا.
فلما ولى الهيثم حاول أن يقمع الفوضى، وأن يرد النظام.
وكان الهيثم حازما
قوى العزم، ولكن صارماً شديد الوطأة، فطارد الشغب والفوضى بشدة، واضطهد معظم الزعماء والمخالفين له في الرأى، وبالأخص اليمنية، وتتبع كثيرين
منهم بالسجن والمطاردة، وقاد حملة ضد " منوسة " وهو حسبما نوضح بعد زعيم
بربرى غامض الشخصية، كان حاكماً لمنطقة الأسترياس وظهرت منه أعراض
التمرد، ولكنه لم يوفق إلى القضاء عليه.
ثم سار في الجيش إلى الشمال ليقمع
[١] يرى بعض المؤرخين أن عزرة لم يكن من ولاة الأندلس، أو أن ولايته كانت غير
رسمية (المقرى عن ابن بشكوال ج ٢ ص ٥٧؛ والبيان المغرب ج ٢ ص ٢٦) .