دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٦٦٢
الثلاثة الذين قتلوا أخاه وأعدمهم لوقته.
وكان يحيى بن على، ولد الخليفة القتيل
والياً على سبتة، وولده الآخر إدريس والياً على مالقة، فاختلف البربر في البداية
على مسألة الخلافة، ولكن أكثرهم انضم إلى جانب القاسم لأنه غبن أولا، وقدم عليه أخوه الأصغر.
وهكذا استتب الأمر للقاسم، فعدل عن سياسة الشدة إلى سياسة اللين
والمسالمة، وأحسن إلى الناس ونادى بالأمان وبراءة الذمة ممن تسور على أحد، وأسقط كثيراً من المكوس.
فهدأت الخواطر، واطمأن الناس نوعاً، وكانت
حركة المرتضى قد وصلت خلال ذلك إلى ذروتها، ووقعت الحرب بين جموع
المرتضى وحليفه خيران والمنذر بن يحيى التجيبى، وبين قوى صنهاجة على مقربة من
غرناطة، وانهزم أهل الأندلس وقتل المرتضى، وبعث زاوى بن زيرى إلى
القاسم بما وقع مع سهمه من الغنائم، ومنها سرادق المرتضى، فسر القاسم لذلك، وعرض سرادق المرتضى على نهر قرطبة ليراه الناس [١] .
وعمد القاسم إلى استمالة
خيران واستعطافه، ولكنه بقى معتصماً بألمرية، وأقطع زميله زهيراً العامرى
ولاية جيان وقلعة رباح، محاولا بذلك أن يعقد السلم مع الفتيان العامريين، وأن
يأمن خصومتهم وكيدهم.
واتخذ القاسم بطانة من السود، وأسند إليهم مناصب الرياسة والقيادة، ولكنه
لم يتخلص من قبضة البربر وسيطرتهم عليه، فضعف أمره وتكاثرت الصعاب
من حوله.
وكان ابن أخيه يحيى بن على والى سبتة، يرقب الفرصة للخروج عليه، فاتفق مع أخيه إدريس والى مالقة، على أن يتركها له، لتكون قاعدة للعمل، وأن يستقر إدريس مكانه في سبتة.
وأخذ يحيى يحشد أنصاره تباعاً في مالقة حتى
اجتمع له جيش قوى.
وفى أثناء ذلك كان عمه القاسم يشكو أمره إلى زعماء البربر، ولكنهم عجزوا عن التوفيق بينهما؛ وزحف يحيى في قواته على قرطبة، وخشى
القاسم العاقبة فآثر الانسحاب على الحرب، وغادر قرطبة إلى إشبيلية في ٢٣ ربيع
الثاني سنة ٤١٢ هـ (أغسطس سنة ١٠٢٢ م) ، وضبط البربر القصر حتى مقدم
ابن أخيه يحيى.
ودخل يحيى في بن على بن حمود قرطبة بعد ذلك بأيام قلائل، في مستهل جمادى
[١] أعمال الأعلام ص ١٣١.