دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٦٣٥
وصحبه المقربين من ذلك بأعظم نصيب؛ واستولت العامة على خزائن الكسوة
والمتاع والسلاح والحلى، ولم يكف النهب إلا في مساء اليوم التالى.
وحرص
عبد الجبار على أن يحيط بقواته، بيوت الحُرم والمال وخاص المتاع والجوهر، وأن
يبعد العامة عنها، وقد استولى المهدى على جميع محتوياتها ونقلها إلى قصر الخلافة
بقرطبة.
ويقال إنه حصل من أموال الزاهرة المنهوبة خمسة آلاف وخمسمائة
ألف دينار من النقود، ومن الذهب ما قيمته ألف ألف وخمسمائة ألف.
وأطلق
المهدى الحرائر من بني عامر، واصطفى الجوارى لنفسه، ووهب منهن لوزرائه
وأصحابه، وأذن للذلفاء أن تنتقل وأسرة ولدها عبد الملك وولده الصغير محمد، مطلقة السراح إلى دورها بالمدينة، وكانت لحرصها قد نقلت إليها معظم خزائن
المال والمتاع.
ولم يكتف المهدى بذلك كله، بل عمد بعد أن استصفى سائر ما في الزاهرة
من الخزائن والأموال الطائلة، إلى هدم صروحها وأسوارها، واستطالت الأيدى
إلى كل نفيس من مرمر قصورها وطرائفها وأنقاضها وأبوابها، فلم تمض أيام
قلائل على ذلك السيل المدمر، حتى اختفت صروح الزاهرة ومعالمها الضاحكة، وغدت أطلالا دارسة، وخرائب موحشة.
وكان المهدى يتعجل إزالة رسوم
بنى عامر بكل ما وسع، خشية أن يعود عبد الرحمن المنصور، قبل أن يتم إحكام
ضربته وتوطيد مركزه.
وقد ذكرت لنا الرواية أن المنصور بن أبي عامر، كان يتوقع ذهاب دولته
وخراب الزاهرة، وكان هذا الخاطر ينتابه من آن لآخر، ويفضى به إلى خاصته.
وقد نقل إلينا الوزير أحمد بن حزم، والد الفيلسوف الشهير، أن المنصور كان
يقول: " ويحاً لك يا زاهرة الحسن، لقد حسن مرآك، وعبق ثراك، وراق
منظرك، وفاق مخبرك، وطاب تربك، وعذب شربك، فياليت شعرى من
الذى يهدمك، ويوهن جسمك ويعدمك "، وأنه كان يؤكد لأصحابه صحة هذه
النبوءة في مناسبات كثيرة [١] .
- ٣ -
لما وصلت أنباء هذا الإنقلاب الخطير الذى وقع في قرطبة، إلى عبد الرحمن
[١] البيان المغرب ج ٣ ص ٦٥.