دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٥٨٦
لا يغفرها زلة، ولا يحلم عنها جريرة، ولم يكن يسامح في نقصان الهيبة، وحفظ
الطاعة أحداً، من ولد ولا ذى خاصة، دعاه ذلك إلى قتل ولده عبد الله صبراً
بالسيف بما هو معروف ".
" وكانت الجزالة والرجولة، ثوبه الذى لم يخلعه، إلى أن وصل إلى ربه، والحزم والحذر شعاره، الذى لم يفارقه طول حياته، والنصب والسهر شأنه فى
يومه وليله، لا يفضل لذة على لذة تدبيره، وحلاوة نهيه وأمره " [١] .
ولم يكن النقد الغربى أقل تقديراً لعظمة المنصور، وقد أشاد بعبقريته ومواهبه
كثير من المؤرخين والنقدة الغربيين، وهذه نماذج من أقوالهم:
قال المؤرخ الإسبانى اليسوعى ماسديه مشيراً إلى المنصور: " وكان سياسياً
كبيراً، وقائداً عظيماً، فقد أخمد نار الثورات التي كانت تعصف بالمملكة، واكتسب حب الشعب بجميع طبقاته، وتفوق في شهرته وهيبته على أكبر القواد، بما اجتمع في أحكامه من الصرامة واللين والقصاص والعفو، وكان يهدم المدن
التي تقاوم جيوشه ويبيدها، ولكنه لم يسمح قط لجنده بأن تسىء معاملة مدينة
سلمت طوعاً " [٢] .
ويقول المؤرخ الإسبانى المعاصر الأستاذ مننديث بيدال معلقاً على عصر
المنصور: " عاش الإسلام في اسبانيا أروع أيامه وأسطعها، وانتهى نصارى
الشمال إلى حالة دفاع كانت دائماً مقرونة بالمحن، ولاح كأنهم لم يعيشوا إلا لتأدية
الجزية والسلاح والأسرى والمجد للخلافة الأموية " [٣] .
ويلاحظ الأستاذ بيدال في نفس الوقت أن عبقرية المنصورالعسكرية والسياسية
كانت من عوامل القضاء على الروح القومية النصرانية المستعربة، وذلك لما أغدقه
المنصور من عطفه ورعايته على كثير من النصارى والمستعربين [٤] .
ويختتم العلامة دوزى كلامه عن المنصور بالفقرة الآتية: " وعلى الجملة، فإذا وجب أن نستنكر الوسائل التي لجأ إليها المنصور في اغتصاب السلطة، فمن
[١] راجع أعمال الأعلام ص ٥٨ و٧٤ و٧٥.
[٢] J.
F.
Masdeu: Historia Critica de Espana y de la Cultura Espanola
[٣] R.
M.
Pidal: La Espana del Cid, p.
٧٢
[٤] R.
M.
Pidal: Origenes des Espanol, p.
٤٢٣