دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٥٨
قال له: " لم أزل أسمع عنك أنك من أعقل الناس وأعرفهم بمكائد الحروب
ومداراة الدنيا.
فقل لى كيف حصلت في يد هذا الرجل بعد ما ملكت الأندلس، وألقيت بينك وبين هؤلاء القوم البحر الزخار، وتيقنت بعد المرام واستصعابه، واستخلفت بلاداً أنت اخترعتها، وحصل في يدك من الذخائر والأموال والمعاقل
ما لو أظهرت به الامتناع ما ألقيت عنقك في يد من لا يرحمك.
ثم إنك علمت
أن سليمان ولى عهد وأنه الوالى بعد أخيه، وقد أشرف على الهلاك لامحالة، وبعد
ذلك خالفته وألقيت بيدك إلى التهلكة، وأحقدت مالكك ومملوكك ".
وما زال
يزيد بسليمان حتى عفى عن موسى، وأعفاه من الغرامة الفادحة التي قضى بها عليه، ويقال بل عفا عن حياته، ولم يعفه من الغرامة، وإن موسى استطاع أن يفتدى
نفسه ببعض ما فرض عليه، وإن سليمان عفا عنه بعد ذلك [١] ، وأقر ابنه عبد الله
على إفريقية وابنه عبد العزيز على الأندلس.
وتبالغ بعض الروايات فتقول إن
سليمان أمير على معاقبة موسى وتغريمه، حتى كان يطوف أحياء العرب مع حراسه
ليسأل بعض المال ليفتدى نفسه، وإنه لبث على تلك الحال حتى توفى في منتهى
البؤس والذلة بوادي القرى في شمال الحجاز حيث ينسب مولده، وذلك سنة
سبع وتسعين [٢] .
بيد أنه لا يوجد ما يبرر الأخذ بمثل هذه الرواية المغرقة.
والصحيح المعول
عليه أن سليمان عفا عن موسى، وأقاله من محنته؛ وتوفى موسى بعد ذلك بقليل
في سنة سبع وتسعين (وقيل في سنة تسع وتسعين) وهو في طريقه إلى الحج مع
سليمان، وقد جاوز الثمانين من عمره.
[١] هذه هى رواية ابن عبد الحكم (فتوح مصر ص ٢١٣) .
وهى رواية يؤيدها البلاذرى
(فتوح البلدان ص ٢٣٠) .
[٢] يراجع في مصير موسى بن نصير: فتوح مصر (ص ٢١١) ، وأخبار مجموعة
(ص ٢٩ و٣٠) ، وابن القوطية (ص ١٠ - ١١) ، وابن الأثير (ج ٤ ص ٢١٦) ، والمقرى عن ابن حيان وابن بشكوال والحجارى، (نفح الطيب ج ١ ص ١٣٤ و١٣٥) ، وابن
خلكان (ج ٢ ص ١٨١) ، وكذلك كتاب الإمامة والسياسة (ج ٢ ص ٨٦، ٨٩ و٩٣، ٩٦) .
هذا ويبدى المستشرق دوزى ريبه في صحة الروايات والقصص التي قيلت عن مصير موسى بن نصير، ويقول إنه لا يوجد ثمة ما يبررها، لأن موسى كان يتمتع بحماية يزيد بن المهلب صديق سليمان
وصاحب النفوذ لديه، ويستشهد برواية البلاذرى إلى أشرنا إليها، وأيضا برواية مؤرخ نصرانى
معاصر هو إيزيدور الباجى (Dozy, Hist.
V.
I.
p.
١٣٤ - ١٣٥)