دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٥٧٥
ممن حملوا عمد الدولة الأموية، وعملوا على توطيد دعائمها، تعمل مع المنصور
على تسيير دفة الحكم بمقدرة فائقة.
وكان من هؤلاء الوزراء من يتصل بالمنصور
برباط المودة الشخصية الوثيقة، ويشاطره شغفه بالشعر والأدب، ويغشى مجالس
أنسه وشرابه، مثل عبد الملك بن شهيد، وأبى عبد الله بن عياش، وعيسى
ابن سعيد.
هذا وكان ممن اشترك مع المنصور في الحجابة في بداية عهده، بعد
المصحفى، جعفر بن على بن حمدون الأندلسي، والقائد غالب بن عبد الرحمن، الذى جمع بين القيادة والحجابة حيناً، وقد رأينا كيف لقى كل منهما مصرعه بعد
ذلك على النحو الذى تقدم ذكره [١] .
***
ولم يحل انشغال المنصور طوال عهده بالغزو المستمر، عن القيام بأعمال
الإنشاء العظيمة.
فقد أنشأ مدينة الزاهرة، وقصورها المنيفة، وحدائقها الغناء، واتخذها كما تقدم مركزاً للإدارة والحكم.
ثم ابتنى إلى جانبها منية جميلة ذات قصر
وحدائق رائعة، يرتادها للاستجمام والتنزه، وسماها "بالعامرية".
وقد كان
جمال هاتين الضاحيتين العامريتين، مستقى للأوصاف الشعرية والنثرية الرائعة.
ومما قيل في العامرية أبيات لعمرو بن أبي الحباب أنشدها، وقد دخل يوماً على
المنصور بقصر المنية، والروض قد تفتحت أزهاره:
لا يوم كاليوم من أيامك الأول..
.
بالعامرية ذات الماء والظلل
هواؤها في جميع الدهر معتدل..
.
طيباً وإن حل فصل غير معتدل
ما إن يبالى الذى يحتل ساحتها..
.
بالسعد ألا تحل الشمس بالحمل
كأنما غرست في ساعة وبدا السـ..
.
ـوسان من حينه فيها على عجل [٢]
وكان من أعظم وأجل أعمال المنصور زيادة المسجد الجامع.
وكانت قرطبة
قد اتسعت رقعتها اتساعاً عظيماً منذ أيام الناصر، واضطرد هذا الاتساع في أيام
المنصور حتى بلغت مبلغاً عظيماً، وبلغت أرباض المدينة أعنى أحياؤها يومئذ
[١] راجع في ذكر وزراء المنصور: البيان المغرب ج ٢ عى ٢٨٦ و٢٨٧ و٢٩٠
و٢٩٩، وأعمال الأعلام ص ٧٠ و٧٥ و٨٠، ونفح الطيب ج ١ ص ٢٧٤، والذخيرة، القسم الرابع، المجلد الأول ص ١٧ و٥٦.
[٢] راجع بعض هذه القصائد والأوصاف في البيان المغرب ج ٢ ص ٢٩٦ و٢٩٧، ونفح
الطيب ج ١ ص ٢٧٢ و٢٧٣.