دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٤٨٤
بالفسيفساء البديعة.
وأرسل قيصر قسطنطينية رومانوس الثاني إلى الحكم منها قدراً
كبيراً، كما أرسل إليه أستاذاً خبيراً بأعمال الفسيفساء.
وأنشأ الحكم أيضاً مقصورة
جديدة لها قبة على الطراز البيزنطى.
وابتنى إلى جانب المسجد داراً للصدقة، وأخرى للوعاظ وعمال المسجد.
وتشغل زيادة الحكم في الجامع اليوم قسمه
الأوسط، الواقع بين الجناح القديم، الذى أنشأه عبد الرحمن الداخل وزاد فيه
عبد الرحمن الأوسط - والجناح الذى أنشأه الحاجب المنصور، وهو يشغل نحو
ثلث المسجد من الناحية الشرقية [١] .
ولم يمض سوى قليل، حتى بدت من الأمراء النصارى نزعة إلى العدوان.
وكان الناصر قبيل وفاته قد عاون سانشو الأول (شانجُه) ملك ليون ابن أردونيو
الثالث بالمال والجند على استرداد عرشه، وفر ابن عمه ومنافسه أردونيو الرابع
مهزوماً إلى برغش (سنة ٩٦٠ م) ، واشترط الخليفة ثمناً لهذا العون، أن يهدم
النصارى بعض حصون الحدود، وأن يسلموا عدداً آخر منها إلى المسلمين.
فلما
توفى الناصر بعد ذلك بقليل، نكث سانشو بالعهد، وأبى تنفيذ ما وعد.
ومن
جهة أخرى فقد ظهر عامل جديد في عدوان النصارى.
وذلك أن قشتالة، وقد
كانت يومئذ ولاية من ولايات ليون، كانت تنزع إلى الاستقلال، وكان زعيمها
الكونت (القومس) فرنان كونثالث [٢] رجلا مقداماً يلتف حوله مواطنوه، فثار
على سانشو، وأعلن استقلال قشتالة، ونصب نفسه أميراً عليها، وأخذ يغير على
أراضي المسلمين المجاورة، وهى مما يلى غرب الثغر الأعلى، وشمال الثغر الأوسط، وانضم إليه كثير من النصارى المتعصبين.
فنما بذلك جيشه واشتد بأسه.
وكان
الكونت يطمح إلى توسيع أملاكه، ويعتمد على مناعة قلاعه الواقعة على الحدود.
وقد أغضى الحكم في البداية عن هذا العدوان مؤثراً الاعتصام بالسلم، ولكنه
لما رأى تمادى النصارى في بغيهم، أخذ في التأهب للحرب، وأنفذ الكتب إلى
سائر الولاة والقواد، بوجوب الأهبة والاستعداد للجهاد في سبيل الله.
وكان أردونيو الرابع الملك المخلوع، قد لجأ إلى الحكم ليعاونه على استرداد
[١] البيان المغرب ج ٢ ص ٢٤٩، وأعمال الأعلام ص ٤٨.
[٢] ويسميه ابن خلدون " فردلند القومس " (ج ٤ ص ١٤٤) وفي مكان آخر فرلند بن
غند شلب (ج ٤ ص ١٨٠) وورد اسمه في أعمال الأعلام " فران غنصالص " وهو أكثر مطابقة
للاسم القشتالى (ص ٣٧٥) .