دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٤٦٧
المرجح أن هذه الغزوة لم تكن ذات طابع رسمى، ولم تكن لها صلة بحكومة
قرطبة.
ذلك أن بني قسىّ زعماء الثغر الأعلى في ذلك الحين، كانوا يتمتعون
باستقلال محلى، ولا يدينون بالولاء لحكومة قرطبة، وكانوا بالعكس ينزعون
إلى مقاومتها والخروج عليها.
وفى سنة ٨٦٩ م هاجمت جماعة من البحارة والمجاهدين
المسلمين شواطىء بروفانس مرة أخرى، واستولت على جزيرة كاماراج الواقعة
في مصب الرون، وأسرت أسقف آرل الذى كان يقيم بها، وعادت مثقلة
بالغنائم والأسرى.
- ٢ -
وأذكى نجاح هذه الغزوات المتوالية، في نفوس المغامرين والمجاهدين من مسلمى
الأندلس وإفريقية، حب التوغل في هاتيك الأنحاء، ورغبة في استعمارها والاستقرار
فيها.
وكانت أحوال غاليس (جنوبى فرنسا) قد اضطربت يومئذ، وغلب سيد
من سادة هذه الأنحاء يدعى بوسون على ولايتى دوفينه وبروفانس، وتلقب
بملك آرل.
وقام يناوئه بعض منافسيه، ونشبت بينه وبينهم حرب أهلية (نحو
سنة ٨٩٠ م) .
ففى تلك الآونة رست سفينة عربية صغيرة عليها عشرون بحاراً
من المسلمين، في خليج جريمو أو خليج سان تروبيه، ونزلوا إلى الشاطىء ولجأوا
إلى غابة كثيفة، تظلها الجبال، ثم هاجموا بعض الضياع القريبة وفتكوا بسكانها.
ولما رأوا منعة معقلهم من البر والبحر، عولوا على الاستقرار فيه، ودعوا إخوانهم
من الثغور الإسلامية القريبة إلى القدوم، وأرسلوا في طلب العون والتأييد من
حكومات الأندلس والمغرب، فوفد عليهم كثير من المغامرين البواسل.
ولم تمض
أعوام قلائل، حتى استقروا في ذلك المكان، وأنشأوا لهم سلسلة من المعاقل
والحصون، أمنعها وأشهرها حصن تطلق عليه الرواية الفرنجية المعاصرة، اسم
(فراكسنتم) Fraxinetum.
والمظنون أنه هو المكان الذى تقوم عليه اليوم قرية
(جارد فرينيه) Garde - Frinet الواقعة في سفح جبال الألب [١] .
وما زالت ثمة آثار
تدل على قيام معاقل قديمة في ذلك المكان، ولما كثر جمعهم، واشتد ساعدهم، اخذوا
في الإغارة على الأنحاء المجاورة، وأصبحوا قوة يخشى بأسها.
وسعى إليهم بعض
الأمراء والسادة المتنافسين يستظهرون بهم، بعضهم على بعض، فلبوا الدعوة،
[١] Reinaud: Invasions des Sarrazins en France.
p.
١٦٠