دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٤٢٩
لدين الله من جماعتهم بمكاتبته، واجتذبه بوصلته " [١] .
- ٤ -
هذا وربما كان قيام الخلافة الفاطمية في الضفة الأخرى من البحر، وانسياب
دعوتها إلى المغرب الأقصى، على مقربة من شواطىء الأندلس، في مقدمة البواعث
التي حدت بعبد الرحمن إلى العمل على إحياء تراث الخلافة الأموية الروحى، بعد
أن توطدت دعائم دولتها السياسية بالأندلس، وكان مؤسسها عبد الرحمن الداخل
قد أمر بمنع الدعاء لبنى العباس، ولكنه لم يتخذ سمة الخلافة واكتفى بلقب الإمارة.
وسار بنوه على أثره.
وبالرغم من أن الدولة الأموية قد استطاعت غير مرة، أن
تستعيد مجدها السالف، في عهد الحكم بن هشام وولده عبد الرحمن الأوسط، فإن
أمراء بني أمية لم يفكروا في الإقدام على منافسة بني العباس في ألقاب الخلافة.
وقيل في تعليل ذلك إنهم كانوا يرون الخلافة تراثاً لآل البيت، ويدركون
قصورهم عن ذلك " بالقصور عن ملك الحجاز أصل العرب والملة، والبعد عن
دار الخلافة التي هى مركز العصبية " وأنهم بعبارة أخرى كانوا يرون أن الخلافة
تكون لمن يملك الحرمين [٢] .
بيد أننا نعتقد أن هذا الإحجام يرجع بالأخص إلى
بواعث الحكمة والسياسة، والتحوط من إثارة الفتنة والخلافات الدينية والمذهبية.
فلما ظهرت الدعوة الفاطمية في إفريقية، ونمت بسرعة في أوائل القرن الرابع
الهجرى، ولما تواترت الأنباء من جهة أخرى، عما انتهت إليه الدولة العباسية
في المشرق من الإضطراب والفوضى، وما حدث من استبداد موالى الترك بالأمر
وحجرهم على الخلفاء، رأى عبد الرحمن أن يتسم بسمة الخلافة، وأن يسترد
يذلك تراث أسرته الروحى، وأنه بما وفق إليه من النهوض بالدولة الإسلامية
وتوطيد أركانها، أحق بألقاب الخلافة من دولة منحلة وأخرى طارئة.
ونفذ
الأمر بذلك في يوم الجمعة مستهل ذى الحجة سنة ٣١٦ هـ، حيث قام صاحب
الصلاة القاضى أحمد بن أحمد بن بقى بن مخلد بالدعاء له بالخلافة، على منبر المسجد
الجامع بقرطبة [٣] .
وإليك نص الوثيقة الرسمية التي صدرت بذلك وهو:
[١] ابن حيان في المقتبس - السفر الخامس لوحة ١٠٣ ب و١٠٤ أ.
[٢] ابن خلدون ج ١ (المقدمة) ص ١٩٠؛ والمسعودي في مروج الذهب (بولاق)
ج ١ ص ٧٨؛ وابن الأبار في الحلة السيراء ص ٩٩.
[٣] ابن حيان في المقتبس - السفر الخامس - لوحة ٩٩ أ.