دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٤١٦
السلطان (الخليفة) والمسلمين فيها محنة عظيمة، وقتل وأسر فيها خلق كثير.
واستولى العدو على محلة السلطان وسرادقه وآلاته السلطانية، وفيها مصحفه
الخاص ودرعه الأثير لديه.
وشملت الهزيمة سائر الكافة، فلم ينج من نجا منها
إلا على متون الدواب.
وأصاب القتل والأسر بالأخص أهل البلاد والمطوعة.
أما الجند فقد نجا معظمهم، وفشا القتل فيمن سواهم من المستنفرين والحشودة.
ويقول لنا ابن حيان، إنه كان بين ضحايا المعركة جده أبو سعد مروان بن
حيان بن محمد بن حيان.
ومن الحقائق المؤلمة التي ينقلها إلينا ابن حيان، أنه
قد بدا في هذا اليوم، من قوم من وجوه الجند " النفاق لأضغان احتملوها على
السلطان فقبعوا للصفوف، وسارعوا في الهرب، وجروا على المسلمين الهزيمة
وأوبقوهم.
وكان أسبقهم إلى ذلك وأكشفهم لما في نفسه الخاين " ابن فرتون بن
محمد الطويل " وقد بعث الناصر خلفه برسول استطاع القبض عليه، فثقف
وحمل إلى قرطبة، وهنالك صلب على باب السُّدة يوم وصول الناصر من غزاته، وألحق به نفر من أشكاله ممن عملوا عمله، ولحقهم وزره.
ويصف لنا عيسى بن أحمد، طريق العودة الذى سلكه الناصر بجيشه عقب
الموقعة، فيقول إن الناصر، قصد أولا إلى مدينة الفرج (وادي الحجارة) ، ثم
غادرها في يوم الخميس الحادى عشر من ذى العقدة، وسار إلى جربيرة، ومنها
إلى شبطران، ومنها إلى محارس، ومنها إلى مدينة طليطلة، فلبث بها أربعة أيام، ورحل منها يوم الخميس إلى فج سراج، ومنها إلى ملقون، ثم احتل بالبركة، ومنها إلى منزل رند، ثم إلى قنالش على وادي أربيشر، ومنها إلى طير برتيطة، ومنها إلى قليانة، فأرملاط، ومنها إلى منية نصر على باب قرطبة بعدوة النهر
بالربض.
وهنالك قضى الليل.
تم سار إلى قصر قرطبة في الغد، وقد نفذ أمره
بصلب فرتون بن محمد الطويل، على باب السُّدة الأكبر من أبواب القصر.
هذا، وقد نقل إلينا ابن حيان نص الكتاب الذى صدر باسم الناصر عن الموقعة، وهو من إنشاء الوزير الكاتب عيسى بن فطيس.
وهو كتاب طويل، يحاول فيه
كاتبه أن يصف أدوار الموقعة، وروعة القتال الذى نشب بين المسلمين والنصارى؛
ويستخلص منه أن المعركة بدأت في صالح المسلمين، وأنهم استطاعوا في البداية
أن يردوا النصارى، وأن يفضوا جموعهم، حتى سقط محمد بن هاشم التجيبى