دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٤١
وتقدم إلينا الرواية الإسلامية التي يسوقها الينا صاحب كتاب " الإمامة
والسياسة " وصفا لشخص طارق خلاصته أنه كان " رجلا طويلا أشقر، بعينيه
قبل أى حول وبيده شلل " [١] .
فإذا صحت هذه الرواية، فإنها يمكن أن تقدم
الينا دليلا آخر على انتماء طارق إلى الجنس البربرى.
فالبربر حسبما شهدنا من
التجوال في بعض ربوعهم بالمغرب، يكثر بينهم الطول والشقرة.
وكان طارق جنديا عظيما ظهر في غزوات المغرب بفائق شجاعته وبراعته، وقدر موسى مواهبه ومقدرته واختاره لحكم طنجة وما يليها، وهى يومئذ
أخطر بقاع المغرب الأقصى وأشدها اضطربا، ثم اختاره لفتح الأندلس.
فعبر البحر من سبتة بحيشه تباعا في سفن يوليان القليلة، ونزل بالبقعة الصخرية
المقابلة التي ما زالت تحمل اسمه إلى اليوم أعنى جبل طارق، وذلك في يوم الإثنين
الخامس من رجب سنة ٩٢هـ (٢٧ إبريل سنة ٧١١ م) [٢] .
واخترق طارق
المنطقة المجاورة غرباً بمعاونة يوليان وإرشاده، وزحف على ولاية الجزيرة التي
كان يحكها تيودومير القوطى عامل ردريك واحتل قلاعها، بعد أن هزم شراذم
من القوط تصدت لوقفه.
وبادر حكام الولايات المجاورة بإخطار بلاط طليطلة
بالخطر الداهم.
وكان ردريك يشتغل يومئذ بمحاربة بعض الخوارج في الولايات
الشمالية، فهرع إلى طليطلة شاعراً بفداحة الخطر المحيق بعرشه وأمته، وبعث
قائده اديكو لرد العدو حتى يستكمل أهبته.
ولكن طارقا هزمه ثم اخترق بسائط
" الفرنتيره " [١] معتزماً السير صوب عاصمة القوط.
وكان رُدريك أو رذريق أو لذريق كا يسميه العرب [٤] ، أميراً شجاعاً وافر
المقدرة والعزم، ولكنه كان طاغية يثير بقسوته وصرامته حوله كثيراً من البغض
= المشتاق للشريف الإدريسى حيث يقول إنه بربرى من زناته (طبع رومة ص ١٧٩) ، وكذلك
ابن خلدون (ج ٤ ص١١٧) ، والمقرى (نفح الطيب ج ١ ص ١١٩) .
[١] الإمامة والسياسة ج ٢ ص ٧٤.
وذقل إلينا المقرى ما يفيد أن طارقا كان ضخم
الهامة، وفي كتفه ٤ الأيسر شامة (ج ١ ص ١٠٧) .
[٢] المقرى (ج ١ ص ١١٩) ، والبيان المغرب؛ وهناك خلاف على الشهر الذى عبر
فيه طارق.
(٣) الفرنتيره La Frontera، هى المنطقة الوسطى والغربية في المثلث الإسبانى.
[٤] ويسميه الواقدى باسم آخر هو (الأدرينوق) ؛ راجع الطبرى ج ٨ ص ٨٢.