دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٢٨٤
هذا وقد أوفد الغزال بعد ذلك بقليل في سفارة أخرى أغرب وأعجب، وذلك أنه على أثر غزو النورمانيين (المجوس) لولايات الأندلس الجنوبية الغربية
واقتحامهم إشبيلية، وردهم عنها، ثم هزيمتهم ومطاردتهم، بعث ملكهم
رسله إلى عبد الرحمن بن الحكم في طلب المهادنة والصلح، فأجابه عبد الرحمن إلى
طلبه، وبعث الغزال مع الرسل إلى ملكهم ليرد السفارة، ويعلمه بقبول الصلح.
وتقدم إلينا الرواية الإسلامية عن هذه السفارة تفاصيل شائقة.
وهى رواية
أديب أندلسي عاش في القرن الثالث عشر الميلادى، هو أبو الخطاب عمر
ابن الحسن بن دحية البلنسى، أوردها في كتابه "المطرب من أشعار أهل المغرب"
في حديثه عن الغزال.
وهو يذكر لنا أن عبد الرحمن أوفد مع الغزال، يحيى بن حبيب
لمرافقته في تلك السفارة، وأنهما خرجا معاً إلى البحر المحيط عن طريق شلب [١]
في مركب خاص أعد لهما، وسارت مع مركب الرسل النورمانيين.
ويصف
لنا ما لقيه السفيران المسلمان من أهوال البحر وروعته، وكيف أنهما جازا تلك
الشدائد سالمين ووصلا إلى بلاد المجوس.
ثم يصف لنا بلاد المجوس بأنها " جزيرة
عظيمة في البحر المحيط "، وعلى مقربة منها " جزائر كثيرة منها صغار وكبار، أهلها كلهم من المجوس، وما يليهم من البر أيضا لهم مسيرة أيام، وهم مجوس، وهم اليوم على دين النصرانية ".
ويبدو من وصف طريق الرحلة، وأوصاف تلك الجزر، أن القطر الذى قصده
الغزال ورفيقه، هو الدانماركة، ويؤيد ذلك أن الدانماركة كانت في ذلك الوقت
مستقر ملك النورمان (المجوس) ، وكان ملكهم عندئذ يشمل الدانماركة وما حولها
من الجزائر، وقسماً من إسكندناوة وألمانيا الشمالية.
وكان يجلس على عرش
النورمان في ذلك الوقت (نحو سنة ٨٤٤ أو ٨٤٥ م) ملك يسمى " هوريك ".
وكان النورمان يومئذ أحداثاً في النصرانية، حسبما تقول الرواية الإسلامية.
ولقى
السفير المسلم من ملك النورمان على ترحاب وعطف، وأفرد لإقامته وزملائه
منزلاً حسناً.
وقدم إليه الغزال كتاب الأمير عبد الرحمن وهديته من الثياب والآنية، فوقعت لديه أحسن موقع.
ولقى الغزال في البلاط النورمانى كله، كثيراً من
[١] شلب Silves هى بلدة أندلسية قديمة تقع في جنوب غربى البرتغال على مقربة من
المحيط الأطلنطى.