دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٢٧٧
ويخصص ابن حيان لذكر قضاة عبد الرحمن، وأخبارهم، ونوادرهم
والتعريف بهم، نبذاً طويلة رأينا أن نكتفى بالإشارة إليها [١] .
وحذا عبد الرحمن حذو أبيه أيضاً، في اصطفاء الموالى والصقالبة، وابتاع
أنصبة أخوته من مماليك أبيه " العجم "، وكانوا خمسة آلاف مملوك، ثلاثة آلاف
فارس يرابطون إزاء باب القصر، فوق الرصيف، وألفا رجل على أبواب القصر
وكانوا يسمون " الخرص " لعجمتهم [٢] .
وسما نفوذ الفتيان يومئذ في البلاط، وكان زعيمهم الفتى نصر المتصرف في شؤون القصر الخاص، وكان يتمتع بأعظم
نفوذ في القصر والدولة، بمؤازرة طروب جارية عبد الرحمن.
وكان نصر هذا ويكنى أبو الفتوح، من الفتيان المختارين الذين اشتهروا بالجمال
والظرف، وأمر الحكم بخصيهم، وأصله من أبناء الأحرار الذين حشدوا للخدمة
داخل القصر، وكان أبوه من أسالمة أهل الذمة (المولدين) من أهل قرمونة [٣] .
ولما ولى عبد الرحمن، قدمه على سائر خاصته، وغدا مدبر أمر داره، ومشاركاً
لأكابر وزرائه في تصريف الشئون.
وتضاعف نفوذه ومكانته بمحالفته لجارية
عبد الرحمن الأثيرة طروب، صاحبة النفوذ القوى.
وكان من أشهر أعمال نصر
قيادته لجيوش الأندلس التي حشدت لمقاتلة النورمانيين في أراضي إشبيلية، وانتصاره عليهم.
واستمر نجم نصر في صعود، ونفوذه في تمكن، حتى غدا أعظم
رجال الدولة، وأمضاهم أمراً، وكان مرهوب الجانب، يخشاه الأكابر والخاصة.
توفى فجأة في أواخر سنة ٢٣٣هـ (٨٤٨ م) ، " أرقى ما كان في غلوائه، وأطمع ما هو بالاحتواء على أمر سلطانه، أرهب ما كان الناس له، وأخوفهم
لعدوانه، إذ نال من أثرة مولاه الأمير عبد الرحمن واصطفائه، فوق ما ناله
خادم خاص، مع أمير رشيد ".
فتنفس الناس الصعداء، وسروا لوفاته، والتخلص من طغيانه [٤] .
[١] مخطوط القرويين اللوحات ٢٠٢ أحتى ٢١١ أ.
[٢] مخطوط ابن حيان ص ١٤٥.
[٣] ابن حزم في رسالة نقط العروس ص ٧٣.
ويقول ابن حزم إن نصراً هذا هو الذى
تنسب إليه " منية نصر " وهى ضاحية جميلة كانت تقع على النهر، على مسافة قصيرة من شرقى قرطبة.
[٤] تاريخ ابن حيان (مخطوط القرويين) لوحة ١٩١ ب.