دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٢٧٣
أخرى تدعى ماريا، وكانت إبنة رجل نصرانى من لبلة، وأم مسلمة تنصرت.
وربيت ماريا في الدير تربية دينية خالصة، كما ربى أخوها الأكبر فيه.
ولما توفى
أخوها وجدت عليه وجداً شديداً، وسارت إلى قرطبة تبغى الاستشهاد، ولجأت
إلى نفس الكنيسة التي لجأت إليها فلورا.
واعتزمت الفتاتان أمرهما وذهبتا إلى
دار القضاء، وقالت فلورا للقاضى إنها إبنة مسلم، ولكنها اعتنقت النصرانية
وأخلصت لها، وأن المسيح هو الإله الحق، وأن النبى محمد، هو نبى زائف..
.
الخ [١] .
وكذلك قالت ماريا إنها تؤكد من كل قلبها أن يسوع هو الرب الحقيقى، وأن الإسلام دين الشيطان.
فأمر القاضى بإيداعهما السجن.
وكان فيه بطريق
الصدفة أولوخيو مقضياً بحبسه أيضاً، فعكف على وعظ الفتاتين، وحثهما على
الاستشهاد في سبيل المسيح.
وحاول القاضى نصح الفتاتين، ولكنهما أصرتا على موقفهما وعلى مطاعنهما.
وأخيراً أصدر القاضى حكمه بإعدامهما، وذلك في ٢٤ نوفمبر سنة ٨٥١، وأخذتا إلى ساحة الإعدام، وهنالك أبدت كلتاهما إشارة الصليب، ثم أعدمتا بقطع
الرأس، وألقيت جثتاهما إلى النهر، واستطاع النصارى العثور على جثة ماريا
وحدها، فأخذوها مع رأسى الفتاتين.
ونظمت فلورا فيما بعد في سلك القديسين [٢] .
هكذا يروى سيمونيت قصة فلورا وزميلتها، ومهما كان في أسلوبه من
رواء القصة المشجية، فإن في وقائعها ما يلقى ضوءاً على خيوط المؤامرة التي
دبرها نصارى قرطبة، وفي مقدمتهم القسس، لإثارة الفتنة الطائفية والإخلال
بالنظام والأمن، وهى محاولة لا يمكن لأية حكومة منظمة أن تغضى عنها.
واستمرت هذه الفتنة المضطرمة مدى حين، وتذرعت حكومة قرطبة فى
إخمادها بالحزم والشدة، وزهق من المتعصبين عدة أخر، ومن بينهم أولوخيو الذى
نظمه النصارى فيما بعد في ثبت " القديسين ".
وهكذا شغل عبد الرحمن في أواخر عهده بتلك الفتنة الدينية الخطيرة، ولكن
المتعصبين لم يحققوا منها ما أملوا، وكانت بالعكس مثار السخط والإنكار من جانب
النصارى المعتدلين، الذين يقدرون تسامح الحكومة الإسلامية ورفقها ورعايتها.
[١] لم نر مجالا لإيراد بقية المطاعن إلى أوردها سيمونيت على لسان فلورا وهى مطاعن مقذعة.
[٢] Simonet: Hist.
de los Mozarabes, Vol.
I.
p.
٤١٣ - ٤٢٢