دوله الاسلام في الاندلس - عنان، محمد عبد الله - الصفحة ٢٧٠
النصارى يمتلئون حياة وقوة وفصاحة، يتقنون اللغة العربية، ويبحثون بشغف
عن الكتب العربية ويدرسونها بعناية، ويمتدحونها بحماسة، هذا في حين أنهم
يجهلون جمال الآداب الكنسية، ثم يبدى ألمه من أن النصارى يجهلون شريعتهم
ولغتهم اللاتينية، وينسون لغتهم القومية [١] .
وهذه التفاصيل التي يقدمها إلينا العلامة سيمونيت عن أحوال المجتمع النصرانى
في قرطبة، هى تفاصيل مفيدة قيمة، ولكنها تنم عن كثير من التحامل، وتصور
وجهة نظر الكنيسة بأسلوب مغرق متزمت.
وهى تغضى عن تلك الحقيقة الهامة، وهى أن النصارى المستعربين وهم من رعايا الحكومة الإسلامية، ويتمتعون تقريباً
بكامل حقوق إخوانهم المسلمين، يدينون لهذه الحكومة بالطاعة، واحترام
القانون والنظام.
ولئن كانت ثمة بعض قيود لحقوقهم، فإن سن هذه القيود
لا يرجع إلى عدم التسامح، ولكنه يرجع إلى روح العصر ذاته.
بيد أن العوامل الدينية لم تكن وحدها مبعث هذا التحامل، الذى يضطرم به
نصارى قرطبة نحو الحكومة الإسلامية، بل كان للعوامل الاجتماعية أيضاً أثرها
في إذكائه.
ذلك أن القسس والمتعصبين كان يحفظهم ويثيرهم، ما يحيط بالحكم
الإسلامى من مظاهر الإعزاز والسؤدد، وما تبديه الهيئة الحاكمة من مظاهر الأبهة
والفخامة، وما ينعم به المجتمع الإسلامى، من حياة رغدة رفيعة.
وكان يذكى
هذا الحقد في نفوسهم ما يعانونه من خشونة عامة قرطبة وتعريضهم وتحاملهم.
وهكذا بلغ تعصب النصارى أقصاه في عهد عبد الرحمن، وبدا منذراً بشر
العواقب.
وكان في وسع أولئك المتعصبين في المدن البعيدة عن قرطبة مثل
طليطلة وغيرها، أن يرفعوا علم الثورة، وأن يقاتلوا حكامهم وجهاً لوجه، ولكن
الثورة في قرطبة كانت أمراً عسيراً.
فحاولوا عندئذ أن يبثوا بذور الفتنة الطائفية
والفوضى الدينية والاجتماعية، وأن يحاولوا الاستشهاد بطريق الاشتباك والتحدى.
وعمد القسس والمتعصبون إلى تحقيق غايتهم بوسيلة بسيطة خطيرة معاً، وهى
المجاهرة بسب النبى العربى ودينه، وهى جريمة شنعاء تعرض مرتكبيها لعقوبة
الموت، وأخذ بعض الغلاة من القسس والمتعصبين الهائمين ينزلقون عامدين إلى
[١] راجع هذا الفصل في مؤلف سيمونيت الضخم: Historia de los Mozarabes de
Espana.
Vol.
I.
p.
٢٥٨ - ٢٧٢